النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: ( تفسير القرآن الكريم 0على حلقات مختصر من تفسير ابن كثير (( جزء عم كامل ))!!

  1. #1
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139

    ( تفسير القرآن الكريم 0على حلقات مختصر من تفسير ابن كثير (( جزء عم كامل ))!!

    [ALIGN=CENTER]
    المقدمة

    ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)
    (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).
    أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
    وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بأذنه وسراجا منيرا.
    بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
    صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
    ( تفسير القرآن الكريم 0على حلقات مختصر من تفسير أبن كثير (( وجزء عم )) وكل يوم سوره إن شاء الله
    المجلد الرابع
    الإمَام الجليل الحافظ عماد الدّين أبي الفِدَاء إسماعِيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 هـ.

    مقدمة الاختصار لتفسير ابن كثير رحمة الله آمين 0

    1- حذف الأسانيد المطولة والاقتصار على ذكر راوي الحديث من الصحابة ومن خرّج الحديث مثل البخاري ومسلم وغيرهما.
    2- الآيات الكريمة التي استشهد بها المؤلف رحمه اللّه، على طريقته في تفسير القرآن بالقرآن، أثبتناها مع الاقتصار على مكان الشاهد منها، لأنه هو الغرض الأصلي من ذكرها، ولم نذكرها كاملة إذ يكفي الإشارة إليها لفهم المقصود.
    3- الاقتصار على الأحاديث الصحيحة، وحذف الضعيف منها،
    4- ذكر أشهر الصحابة عند التفسير بالمأثور، كذكر ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، مع تثبيت أصح الروايات المنقولة عنهم.
    5- الاعتماد على أقوال مشاهير التابعين0
    6- حذف الروايات الإسرائيلية،
    7- حذف ما لا ضرورة له من الأحكام والخلافات الفقهية،
    8- لقد وضعتها على سلسلة حلقات ليستفيد القارئ الكريم من القراءه وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً،
    0والله الموفق 0 أخوكم سعد التنومي



    ((( الحلقة الاولى )))

    ((( سورة النبــــــــأ )))

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عَمَّ يَتَسَاءلُونَ 1 عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ 2 الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ 3 كَلَّا سَيَعْلَمُونَ 4 ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ 5 أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا 6 وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا 7 وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا 8 وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا 9 وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا 10 وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا 11 وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا 12 وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا 13 وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا 14 لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا 15 وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا 16 إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا 17 يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا 18 وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا 19 وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا 20 إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا 21 لِلْطَّاغِينَ مَآبًا 22 لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا 23 لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا 24 إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا 25 جَزَاء وِفَاقًا 26 إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا 27 وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا 28 وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا 29 فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا 30 إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا 31 حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا 32 وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا 33 وَكَأْسًا دِهَاقًا 34 لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا 35 جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا 36 رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا 37 يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا 38 ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا 39 إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا 40
    تفسير الأيــــــات :

    يقول تعالى منكراً على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكاراً لوقوعها: {عم يتساءلون * عن النبأ العظيم} أي: عن أي شيء يتساءلون عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم: يعني الخبر الهائل المفظع الباهر، قال قتادة: النبأ العظيم: البعث بعد الموت، وقال مجاهد: هو القرآن، والأظهر الأول، لقوله: {الذي هم فيه مختلفون} يعني الناس فيه مؤمن به وكافر، ثم قال تعالى متوعداً لمنكري القيامة: {كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ثم شرع تبارك وتعالى يبين قدرته العظيمة على خلق الأشياء الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: {ألم نجعل الأرض مهاداً} أي ممهدة للخلائق ذلولاً لهم، قارة ساكنة ثابتة {والجبال أوتاداً} أي جعلها لها أوتاداً، أرساها بها وثبتها وقررها، حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها، ثم قال تعالى: {وخلقناكم أزواجاً} يعني ذكراً وأنثى، يتمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك كقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}، وقوله تعالى: {وجعلنا نومكم سباتاً} أي قطعاً للحركة لتحصل الراحة من كثرة الترداد، والسعي في المعايش في عرض النهار، {وجعلنا الليل لباساً} أي يغشى الناس بظلامه وسواده، كما قال: {والليل إذا يغشاها}، وقال قتادة: {وجعلنا الليل لباساً} أي سكناً، وقوله تعالى: {وجعلنا النهار معاشاً} أي جعلناه مشرقاً نيراً مضيئاً ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعايش والتكسب والتجارات وغير ذلك.

    وقوله تعالى: {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} يعني السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها، وإحكامها وإتقانها وتزينها بالكواكب الثوابت والسيارات، ولهذا قال تعالى: {وجعلنا سراجاً وهاجاً} يعني الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوءها لأهل الأرض كلهم، وقوله تعالى: {وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} قال ابن عباس: المعصرات: الرياح، تستدر المطر من السحاب، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من المعصرات أي من السحاب (وهو قول عكرمة والضحاك والحسن والربيع بن أنَس الثوري، واختاره ابن جرير وهو الأظهر كما قال ابن كثير)، وقال الفراء: هي السحاب التي تتحلب بالمطر ولم تمطر بعد، كما يقال امرأة معصر إذا دنا حيضها ولم تحض، وعن الحسن وقتادة: {من المعصرات} يعني السماوات وهذا قول غريب، والأظهر أن المراد بالمعصرات السحاب، كما قال تعالى: {اللّه الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الودق يخرج من خلاله} أي من بينه، وقوله جلَّ وعلا: {ماء ثجاجاً} قال مجاهد: {ثجاجاً}: منصباً، وقال الثوري: متتابعاً، وقال ابن زيد: كثيراً، قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة الثج، وإنما الثج الصب المتتابع، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم: "أفضل الحج العج والثج" يعني صب دماء البدن. قلت: وفي حديث المستحاضة: "إنما أثج ثجاً" وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصب المتتابع الكثير، واللّه أعلم. وقوله تعالى: {لنخرج به حَبّاً ونباتاً وجنّات ألفافاً} أي لنخرج بهذا الماء الكثير الطيب النافع المبارك {حباً} يدخر للأناسي والأنعام، {ونباتاً} أي خضراً يؤكل رطبه، {وجنات} أي بساتين وحدائق من ثمرات متنوعة وألوان مختلفة وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من من الأرض مجتمعاً، ولهذا قال: {وجنات ألفافاً} قال ابن عباس وغيره: ألفافاً مجتمعة، وهذه كقوله تعالى: {وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}. يتبع[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة عزوز ; 24-01-2003 الساعة 11:02 PM

  2. #2
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]يقول تعالى مخبراً عن يوم الفصل، وهو (يوم القيامة) أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا اللّه عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: {وما نؤخره إلا لأجل معدود} أنه {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً} قال مجاهد زمراً زمراً. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله تعالى: {يوم ندعو كل إناس بإمامهم} قال البخاري: {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً} عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما بين النفختين أربعون" قالوا: أربعون يوماً، قال: "أبيت"، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: "أبيت"، قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أبيت"، قال: "ثم ينزل اللّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا بلي إلا عظماً واحداً، وهو (عجب الذنب) ومنه يركب الخلق يوم القيامة" (أخرجه البخاري). {وفتحت السماء فكانت أبواباً} أي طرقاً ومسالك لنزول الملائكة، {وسيرت الجبال فكانت سراباً} كقوله تعالى: {وتكون الجبال كالعهن المنفوش}، وقال ههنا {فكانت سراباً} أي يخيل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، وبعد هذا تذهب بالكلية فلا عين ولا أثر، كما قال تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً * لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً}، وقال تعالى: {ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة}، وقوله تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً} أي مرصدة معدة {للطاغين} وهم المردة العصاة المخالفون للرسل، {مآباً} أي مرجعاً ومنقلباً ومصيراً ونزلاء، وقال الحسن وقتادة: لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز النار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس، وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} أي ماكثين فيها أحقاباً وهي جمع حقب وهو المدة من الزمان، وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير، قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما تجدون الحقب في كتاب اللّه المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً، كل شهر ثلاثون يوماً، كل يوم ألف سنة، وعن الحسن والسدي: سبعون سنة. وعن عبد
    اللّه بن عمرو: الحقب أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون، (رواهما ابن أبي حاتم)، وقال بشير بن كعب: ذكر لي أن الحقب الواحد ثلثمائة سنة، اثنا عشر شهراً، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم منها كألف سنة. وقال السدي: {لابثين فيها أحقاباً} سبعمائة حقب، كل حقب سبعون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقال خالد بن معدان هذه الآية، وقوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} في أهل التوحيد (أخرجه ابن جرير)، قال ابن جرير: والصحيح أنها لا انقضاء لها، كما روي عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} قال أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحقب سبعون سنة، كل يوم كألف سنة مما تعدون، وقال قتادة، قال اللّه تعالى: {لابثين فيها أحقاباً} وهو ما لا انقطاع له وكلما مضى حقب جاء حقب بعده. وقال الربيع بن أنَس: {لابثين فيها أحقاباً} لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا اللّه عزَّ وجلَّ، وذكر لنا أن الحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم كألف سنة مما تعدون (أخرجه ابن جرير أيضاً).
    وقوله تعالى: {لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً} أي لا يجدون في جهنم برداً لقلوبهم، ولا شراباً طيباً يتغذون به، ولهذا قال تعالى: {إلا حميماً وغساقاً}، وقال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم، ومن الشراب الغساق، قال الربيع بن أنَس: فأما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموُّه. والغساق هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتته، وقوله تعالى: {جزاءاً وفاقاً} أي هذا الذي صاروا إليه من هذه العقوبة، وفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا، ثم قال تعالى: {إنهم كانوا لا يرجون حساباً} أي لم يكونوا يعتقدون أن ثم داراً يجازون فيها ويحاسبون، {وكذبوا بآياتنا كذاباً} أي وكانوا يكذبون بحجج اللّه ودلائله على خلقه التي أنزلها على رسوله صلى اللّه عليه وسلم فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة، وقوله {كذاباً} أي تكذيباً، وهومصدر من غير الفعل، وقوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه كتاباً} أي وقد علمنا أعمال العباد وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وقوله تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} أي يقال لأهل النار ذوقوا ما أنتم فيه فلن نزيدكم إلا عذاباً من جنسه وآخر من شكله أزواج، قال قتادة: لم ينزل اللّه على أهل النار آية أشد من هذه الآية {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} فهم في مزيد من العذاب أبداً.
    يقول تعالى مخبراً عن السعداء، وما أعد اللّه تعالى لهم من الكرامة والنعيم المقيم، فقال تعالى: {إن للمتقين مفازاً} قال ابن عباس متنزهاً، وقال مجاهد: فازوا فنجوا من النار، والأظهر ههنا قول ابن عباس لأنه قال بعده {حدائق} والحدائق البساتين من النخيل وغيرها، {وأعناباً وكواعب أتراباً} أي وحوراً كواعب، قال ابن عباس ومجاهد: {كواكب} أي نواهد، يعنون أن ثديهن نواهد
    لم يتدلين، لأنهن أبكار (عرب أتراب) أي في سن واحد، كما تقدم بيانه في سورة الواقعة، روى ابن أبي حاتم، عن أبن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أمامة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "إن قمص أهل الجنة لتبدو من رضوان اللّه، وأن السحابة لتمر بهم فتناديهم: يا أهل الجنة ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب" (رواه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: {وكأساً دهاقاً} قال ابن عباس: مملوءة متتابعة، وقال عكرمة: صافية، وقال مجاهد والحسن {دهاقاً} الملأى المترعة، وقال سعيد بن جبير: هي المتتابعة، وقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً} كقوله: {لا لغو فيه ولا تأثيم} أي ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة ولا إثم كذب، بل هي دار السلام وكل ما فيها سالم من النقص، وقوله: {جزاء من ربك عطاء حساباً} أي هذا الذي ذكرناه، جازاهم اللّه به بفضله ومنّه وإحسانه {عطاء حساباً} أي كافياً وافياً سالماً كثيراً، ومنه حسبي اللّه، أي اللّه كافيَّ.
    يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وأنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذس شملت رحمته كل شيء، وقوله تعالى: {لا يملكون منه خطاباً} أي لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، وكقوله تعالى: {يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه}، وقوله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون} اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا ما هو؟ على أقوال: أحدها: ما روي عن ابن عباس أنهم أرواح بني آدم. الثاني: هم بنو آدم، قاله الحسن وقتادة. الثالث: أنهم خلق من خلق اللّه على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر قاله ابن عباس ومجاهد. الرابع: هو جبريل، قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحّاك. الخامس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات، قال ابن عباس: هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقاً. والأشبه عندي - واللّه أعلم - أنهم بنو آدم (الأظهر أن المراد بالروح هنا (جبريل) عليه السلام كما قال سعيد بن جبير والضحّاك ويؤيده
    قوله تعالى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}، فالروح هو جبريل)، وقوله تعالى: {إلا من أذن له الرحمن} كقوله: {يوم يأتِ لا تكلم نفس إلا بإذنه}، وكما ثبت في الصحيح: "ولا يتكلم يؤمئذ إلا الرسل"، وقوله تعالى: {وقال صواباً} أي حقاً، ومن الحق {لا إله إلا اللّه}، كما قاله عكرمة. وقوله تعالى: {ذلك اليوم الحق} أي الكائن لا محالة، {فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً} أي مرجعاً وطريقاً يهتدي إليه، ومنهجاً يمر به عليه، وقوله تعالى: {إنا أنذرناكم عذاباً قريباً} يعني يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريباً، لأن كل ما هو آت قريب، {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} أي يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها، قديمها وحديثها كقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً}، وكقوله تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}، {ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} أي يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا تراباً، ولم يكن خلق ولا خرج إلى الوجود، وذلك حين عاين عذاب اللّه، ونظر إلى أعماله الفاسدة قد سطرت عليه بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة، وقيل: يود ذلك حين يحكم اللّه، بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجماء من القرناء، فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني تراباً فتصير تراباً فعند ذلك يقول الكافر {يا ليتني كنت تراباً} أي كنت حيواناً فأرجع إلى التراب، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد اللّه ابن عمرو وغيرهما
    والله اعلم
    والحلقة التي تليها سورةالنازعات إن شاء الله [/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة عزوز ; 24-01-2003 الساعة 10:51 PM

  3. #3
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]الحلقةالثانية
    ___سورة النازعات ______
    بسم الله الرحمن الرحيم

    وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا 1 وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا 2 وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا 3 فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا 4 فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا 5 يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 6 تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 7 قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ 8 أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ 9 يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ 10 أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً 11 قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ 12 فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ 13 فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ 14 هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى 15 إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى 16 اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى 17 فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى 18 وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى 19 فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى 20 فَكَذَّبَ وَعَصَى 21 ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى 22 فَحَشَرَ فَنَادَى 23 فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى 24 فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى 25 إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى 26 أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا 27 رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا 28 وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا 29 وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا 30 أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا 31 وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا 32 مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ 33 فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى 34 يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى 35 وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى 36 فَأَمَّا مَن طَغَى 37 وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 38 فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى 39 وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى 40 فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى 41 يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا 42 فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا 43 إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا 44 إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا 45 كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا 46 0



    تفسير الأيــــــات :

    {والنازعات غرقاً}: الملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: {والناشطات نشطاً} قال ابن عباس وغيره، وعنه {والنازعات}: هي أنفس الكفّار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار (رواه ابن أبي حاتم)، وقال مجاهد: {والنازعات غرقاً}: الموت. وقال الحسن وقتادة {والنازعات غرقاً * والناشطات نشطاً}: هي النجوم، والصحيح الأول وعليه الأكثرون، أما قوله تعالى: {والسابحات سبحاً} فقال ابن مسعود: هي الملائكة، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي السفن، وقوله تعالى {فالسابقات سبقاً}: يعني الملائكة، قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق، وقال قتادة: هي النجوم، وقال عطاء: هي الخيل في سبيل اللّه، وقوله تعالى: {فالمدبرات أمراً} قال علي ومجاهد: هي الملائكة تدبر الأمر من السماء إلى الأرض، يعني بأمر ربها عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى: {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة} قال ابن عباس: هما النفختان الأولى والثانية (وهو قول مجاهد والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم)، قال مجاهد: أما الأولى {يوم ترجف الراجفة} فكقوله جلَّت عظمته: {يوم ترجف الأرض والجبال}، وأما الثانية وهي الرادفة، كقوله: {وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}، وفي الحديث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" فقال رجل: يا رسول اللّه أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذاً يكفيك اللّه ما أهمك من ديناك وآخرتك" (أخرجه أحمد) رواه أحمد والترمذي، ولفظ الترمذي: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس اذكروا اللّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه". وقوله تعالى: {قلوب يومئذ واجفة} فقال ابن عباس: يعني خائفة {أبصارها خاشعة} أي أبصار أصحابها وإنما أضيفت إليها للملابسة، أي ذليلة حقيرة مما عانت من الأهوال.
    وقوله تعالى: {يقولون أئنا لمردودون في الحافرة} يعني مشركي قريش، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى {الحافرة} وهي القبور (قاله مجاهد) وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها، ولهذا قالوا: {أئذا كنا عظاماً نخرة} وقرئ: ناخرة أي بالية، قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلي ودخلت الريح فيه، {قالوا تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرة}. وعن ابن عباس وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت، وقال ابن زيد: الحافرة النار، وما أكثر أسماءها! هي النار والجحيم وسقر وجهنم والهاوية والحافرة ولظى والحطمة، وأما قولهم: {تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرة} فقال محمد بن كعب، قالت قريش: لئن أحيانا اللّه بعد أن نموت لنخسرن، قال اللّه تعالى: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} أي فإنما هو من أمر اللّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يدي الرب عزَّ وجلَّ ينظرون، كما قال تعالى: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً}، وقال تعالى: {وما أمرنا إلا كلمح بالبصر} وقال تعالى: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} قال مجاهد: {فإنما هي زجرة واحدة} صحية واحدة، وأشد ما يكون الرب عزَّ وجلَّ غضباً على خلقه يوم يبعثهم، قال الحسن البصري: زجرة من الغضب، وقوله تعالى: {فإذا هم بالساهرة} قال ابن عباس: الساهرة الأرض كلها، وقال عكرمة والحسن: الساهرة وجه الأرض، قال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها، عن سهل بن سعد الساعدي {فإذا هم بالساهرة} قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخبزة النقي (رواه ابن أبي حاتم)، وقال الربيع بن أنَس: {فإذا هم بالساهرة} يقول اللّه عزَّ وجلَّ: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا للّه الواحد القهار}، ويقول تعالى: {ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً}، ويقول تعالى: {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة}، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة ولم يهرق عليها دم.
    يخبر تعالى رسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم عن عبده ورسوله موسى عليه السلام، أنه ابتعثه إلى فرعون وأيده اللّه بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه حتى أخذه اللّه أخذ عزيز مقتدر، وكذلك عاقبة من خالفك يا محمد وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى}، فقوله تعالى: {هل أتاك حديث موسى} أي هل سمعت بخبره {إذ ناداه ربه} أي كلمة نداء {بالواد المقدس} أي المطهر، {طوى} وهو اسم الوادي على الصحيح، فقال له: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} أي تجبر وتمرد وعتا، {فقل هل لك إلى أن تزكى} أي قل له هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزكي به أي تسلم وتطيع، {وأهديك إلى ربك} أي أدلك إلى عبادة ربك {فتخشى} أي فيصير قلبك خاضعاً له مطيعاً خاشعاً، بعد ما كان قاسياً خبيثاً بعيداً من الخير، {فأراه الآية الكبرى} يعني فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحق حجة قوية، ودليلاً واضحاً على صدق ما جاءه من عند اللّه، {فكذب وعصى} أي فكذب بالحق، وخالف ما أمره به من الطاعة، {ثم أدبر يسعى} أي في مقابلة الحق بالباطل وهو جمعه السحرة، ليقابلوا ما جاء به موسى عليه السلام من المعجزات الباهرات {فحشر فنادى} أي في قومه، {فقال أنا ربكم الأعلى} قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: {ما علمت لكم من إله غيري} بأربعين سنة، قال اللّه تعالى: {فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى} أي انتقم اللّه منه انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا، {ويوم القيامة بئس الرفد المرفود}، كما قال تعالى: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون}، وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: {نكال الآخرة والأولى} أي الدنيا والآخرة، وقيل: المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية، وقيل: كفره وعصيانه، والصحيح الأول، وقوله: {إن في ذلك لعبرة لمن يخشى} أي لمن يتعظ وينزجر.
    يقول تعالى محتجاً على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه {أأنتم} أيها الناس {أشد خلقاً أم السماء} يعني بل السماء أشد خلقاً منكم كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}، وقوله تعالى: {بناها} فسره بقوله: {رفع سمكها فسواها} أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء، وقوله تعالى: {وأغطش ليلها وأخرج ضحاها} أي جعل ليلها مظلماً أسود حالكاً، ونهارها مضيئاً مشرقاً واضحاً، قال ابن عباس: أغطش ليلها أظلمه، {وأخرج ضحاها} أي أنار نهارها، وقوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} فسّره بقوله تعالى: {أخرج منها ماءها ومرعاها} وقد تقدم في سورة "حم السجدة" أن الأرض خلقت قبل خلق السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، عن ابن عباس {دحاها} ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام فذلك قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها}. وقد تقدم تقرير ذلك هنالك، وقوله تعالى: {والجبال أرساها} أي قررها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم. وقوله تعالى: {متاعاً لكم ولأنعامكم} أي دحا الأرض فأتبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متعاً لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام، التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار، إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.
    يقول تعالى: {فإذا جاءت الطامة الكبرى} وهو يوم القيامة، قاله ابن عباس سميت بذلك، لأنها تطم على كل أمر هائك مفظع، كما قال تعالى: {والساعة أدهى وأمر}، {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} أي حينئذ يتذكر ابن آدم جميع عمله، خيره وشره كما قال تعالى: {يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى}، {وبرزت الجحيم لمن يرى} أي أظهرت للناظرين فرآها الناس عياناً، {فأما من طغى} أي تمرد وعتا، {وآثر الحياة الدنيا} أي قدمها على أمر دينه وأُخراه، {فإن الجحيم هي المأوى}، أي فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطْعمه من الزقوم ومشربه من الحميم، {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} أي خاف القيام بين يدي اللّه عزَّ وجلَّ، وخاف حكم اللّه فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها، {فإن الجنة هي المأوى} أي منقلبه ومصيره إلى الجنة الفيحاء، ثم قال تعالى {يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها} أي ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مردها ومرجعها إلى اللّه عزَّ وجلَّ، فهو الذي يعلم وقتها على التعيين {قل إنما علمها عند اللّه}، وقال ههنا: {إلى ربك منتهاها}، ولهذا لما سأل جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن وقت الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، وقوله تعالى: {إنما أنت منذر من يخشاها} أي إنما بعثتك لتنذر الناس، وتحذرهم من بأس اللّه وعذابه، فمن خشي اللّه وخاف مقام ربه ووعيده أتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك، وقوله تعالى: {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} أي إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مدة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضحى من يوم، قال ابن عباس: أما عشية فما بين الظهر إلى غروب الشمس، {أو ضحاها} ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار، وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.[/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة عزوز ; 24-01-2003 الساعة 11:25 PM

  4. #4
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]الحلقة الثالثة

    ((( سورة عبس )))

    بسم الله الرحم الرحيم

    عَبَسَ وَتَوَلَّى 1 أَن جَاءهُ الْأَعْمَى 2 وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 3 أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى 4 أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى 5 فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى 6 وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى 7 وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى 8 وَهُوَ يَخْشَى 9 فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى 10 كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ 11 فَمَن شَاء ذَكَرَهُ 12 فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ 13 مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ 14 بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 15 كِرَامٍ بَرَرَةٍ 16 قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ 17 مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ 18 مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ 19 ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ 20 ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ 21 ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ 22 كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ 23 فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ 24 أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا 25 ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا 26 فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا 27 وَعِنَبًا وَقَضْبًا 28 وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا 29 وَحَدَائِقَ غُلْبًا 30 وَفَاكِهَةً وَأَبًّا 31 مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ 32 فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ 33 يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 34 وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ 35 وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ 36 لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ 37 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ 38 ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ 39 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ 40 تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ 41 أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ 42

    تفسير الأيــــــات :
    ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يوماً يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديماً، فجعل يسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن شيء ويلح عليه، وود النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك، ليتمكن من ذلك الرجل طمعاً ورغبة في هدايته وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الأخر، فأنزل اللّه تعالى، {عبس وتولى أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى} أي يحصل له زكاة وطهارة في نفسه، {أو يذكر فتنفعه الذكرى} أي يحصل له اتعاظ وازدجار عن المحارم. {أما من استغنى فأنت له تصدى} أي أما الغني فأنت تَعَّرض له لعله يهتدي {وما عليك ألا يّزكى} أي ما أنت بمطالب به إذا لم يزك نفسه. {وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى} أي يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له، {فأنت عنه تلهَّى} أي تتشاغل. ومن ههنا أمر اللّه تعالى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن لا يخص بالإنذار أحداً، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم اللّه تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، روى الحافظ أبو يعلى عن أنَس رضي اللّه عنه في قوله: {عبس وتولى} قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو يكلم (أبيّ بن خلف) فأعرض عنه، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى} فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك يكرمه (أخرجه الحافظ أبو يعلى)، وعن عائشة قالت: أنزلت {عبس وتولى} في ابن أم مكتوم الأعمى،
    أتى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فجعل يقول أرشدني. قالت: وعند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل من عظماء المشركين قالت: فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأساً"؟ فيقول: لا، ففي هذا أنزلت: {عبس وتولى} (أخرجه ابن جرير وأبو يعلى)، وهكذا ذكر غير واحد من السلف والخلف:أنها نزلت في ابن أم مكتوم، والمشهور أن اسمه عبد اللّه، وقوله تعالى: {كلا إنها تذكرة} أي هذه الوصية بالمساواة بين الناس، في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم، وقال قتادة {كلا إنها تذكرة} يعني القرآن {فمن شاء ذكره} أي فمن شاء ذكر اللّه تعالى في جميع أموره، ويحتمل عود الضمير إلى الوحي لدلالة الكلام عليه، وقوله تعالى: {في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة} أي هذه السورة أو العظة {في صحف مكرمة} أي معظمة موقرة، {مرفوعة} أي عالية القدرة، {مطهرة} أي من الدنس والزيادة والنقصان، وقوله تعالى: {بأيدي سفرة} قال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة، وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال قتادة: هم القراء، وقال ابن جرير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني بين اللّه تعالى وبين خلقه، ومنه السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر:
    وما أدع السفارة بين قومي * وما أمشي بغش إن مشيت.
    وقال البخاري: سفرة: الملائكة: سفرتُ أصلحت بينهم، وجُعلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللّه تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم، وقوله تعالى: {كرام بررة} أي خَلْقهم كريم، وأخلاقهم بارة طاهرة، وفي الصحيح: "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران" (أخرجه الجماعة عن عائشة رضي اللّه عنها مرفوعاً).
    يتبع[/ALIGN]

  5. #5
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]تكملة سورةعبس
    يقول تعالى ذاماً لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: {قتل الإنسان ما أكفره}، قال ابن عباس: لعن الإنسان، وهذا الجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه {ما أكفره} أي ما أشد كفره، وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافراً أي ما حمله على التكذيب بالمعاد؟ وقال قتادة: {ما أكفره} ما ألعنه، ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى: {من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره} أي قدّر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد {ثم السبيل يسره} قال ابن عباس: ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه (وهو قول عكرمة والضحّاك وقتادة والسدي واختاره ابن جرير)، وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً} أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه علمه، وهذا هو الأرجح واللّه أعلم، وقوله تعالى: {ثم أماته فأقبره} أي أنه بعد خلقه له {أماته فأقبره} أي جعله ذا قبر، والعرب تقول قبرت الرجل إذا ولي ذلك منه. وأقبره اللّه، وطردت عني فلاناً وأطرده اللّه، أي جعله طريداً، وقوله تعالى: {ثم إذا شاء أنشره} أي بعثه بعد موته، ومنه يقال البعث والنشور، عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه"، قيل: وما هو يا رسول اللّه؟ قال: "مثل حبة خردل منه تنشأون" (أخرجه ابن أبي حاتم) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" (أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة)، وقوله تعالى: {كلا لما يقض ما أمره} قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق اللّه عليه في نفسه وماله، {لّما يقض ما أمره} يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عزَّ وجلَّ، عن مجاهد قال: لا يقضي أحد أبداً كل ما افترض عليه.
    وقوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة، على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً بالية وتراباً متمزقاً، {أنا صببنا الماء صباً} أي أنزلناه من السماء على الأرض، {ثم شققنا الأرض شقاً} أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض، {فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً}، فالحب كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها القت أيضاً. قال ذلك ابن عباس وقتادة، وقال الحسن البصري: القضب العلف، {وزيتوناً} وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح به ويدهن به، {ونخلاً} يؤكل بلحاً وبسراً، ورطباً وتمراً، ونيئاً ومطبوخاً، ويعتصر منه رب وخل. {وحدائق غلباً} أي بساتين، قال الحسن وقتادة: غلباً نخل غلاظ كرام، وقال ابن عباس ومجاهد: كل ما التف واجتمع، وقال ابن عباس أيضاً {غلباً} الشجر الذي يستظل به، وقال عكرمة: {غلباً} أي غلاظ الأوساط، وقوله تعالى: {وفاكهة وأباً} أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة كل ما أكل رطباً، والأب ما أنبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم، وقال مجاهد: الأب الكلأ، وعن مجاهد والحسن: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم، وعن عطاء كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب، وقال الضحّاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب. وقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى. روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قرأ {عبس وتولى} فلما أتى على هذه الآية: {وفاكهة وأباً} قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (رواه ابن جرير، وإسناده صحيح كما قال ابن كثير)، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو يعلم أنه من نبات الأرض لقوله: {فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً}. وقوله تعالى: {متاعاً لكم ولأنعامكم} أي عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار، إلى يوم القيامة.
    قال ابن عباس: {الصّاخَّةُ} اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللّه وحذّره عباده، وقال البغوي: {الصاخة} يعني يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها، {يوم يفر المرء من أخيه * وأُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه} أي يراهم ويفر منهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل، قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لكِ؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق أن أعطيك شيئاً أتخوف مثل الذي تخاف، قال: وإن الرجل ليقى ابنه فيعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى فيقول ولده: يا أبتِ ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أُعطيك شيئاً، يقول اللّه تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه * وأُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه} وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة: حتى عيسى بن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "تحشرون حفاة عراة مشاة غرلاً" قال، فقالت زوجته: يا رسول اللّه ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض قال: "لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه" أو قال: "ما أشغله عن النظر" (أخرجه ابن أبي حاتم). وروى النسائي عن عروة عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً" فقالت عائشة: يا رسول اللّه فكيف بالعورات؟ فقال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (انفرد به النسائي من هذه الوجه). وعن أنَس بن مالك قال: سألت عائشة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه بأبي أنت وأُمّي، إني سألتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: "إن كان عندي منه علم" قالت يا نبي اللّه كيف يحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة" ثم انتظرت ساعة، فقالت: يا رسول اللّه كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة"، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: "وعن أي ذلك تسألين إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون"، قالت: أية آية هي يا نبي اللّه؟ قال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال البغوي في تفسيره، عن سودة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم قالت، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يبعث الناس حفاة عراة غرلاً قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الأذان"، فقلت: يا رسول اللّه واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: قد شغل الناس {لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} (حديث غريب من هذا الوجه). وقوله تعالى: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة} أي يكون الناس هنالك فريقين، وجوه مسفرة أي مستنيرة {ضاحكة مستبشرة} أي مسرورة فرحة، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة، {ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة} أي يعلوها وتغشاها {قترة} أي سواد، وفي الحديث: "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم"، فهو قوله تعالى: {ووجوه يومئذ عليها غبرة} (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال ابن عباس {ترهقها قترة} أي يغشاها سواد الوجوه، وقوله تعالى: {أولئك هم الكفرة الفجرة} أي الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: {ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} [/ALIGN]

  6. #6
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER](((سورة التكوير )))
    الحلقة الرابعة
    بسم الله الرحمن الرحيم

    إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 1 وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ 2 وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ 3 وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ 4 وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ 5 وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ 6 وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ 7 وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ 8 بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ 9 وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ 10 وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ 11 وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ 12 وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ 13 عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ 14 فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ 15 الْجَوَارِ الْكُنَّسِ 16 وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ 17 وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ 18 إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ 19 ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ 20 مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ 21 وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ 22 وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ 23 وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ 24 وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ 25 فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ 26 إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ 27 لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ 28 وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 29


    مقدمة]قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت}" أخرجه أحمد.
    تفسير الأيــــــات :
    قال ابن عباس: {إذا الشمس كورت} يعني أظلمت، وقال العوفي عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وقال قتادة: ذهب ضوءها، وقال سعيد بن جبير: {كورت} غورت، وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض، قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: {كورت} جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها، روي عن ابن عباس أنه قال: يكور اللّه الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث اللّه ريحاً دبوراً فتضرمها ناراً (أخرجه ابن أبي حاتم)، وروى البخاري، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم: "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" (رواه البخاري في كتاب بدء الخلق). وقوله تعالى: {وإذا النجوم انكدرت} أي انتثرت كما قال تعالى: {وإذا الكواكب انتثرت}. وأصل الانكدار الانصباب، قال أبي بن كعب: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض، {وإذا الوحوش حشرت} قال اختلطت، {وإذا العشار عطلت} قال: أهملها أهلها، {وإذ البحار سجرت} قال، قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (أخرجه ابن جرير)، وقال ابن عباس: {وإذا النجوم انكدرت} أي تغيرت، وعن يزيد بن أبي مريم مرفوعاً: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون اللّه فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها" (رواه ابن أبي حاتم).
    وقوله تعالى: {وإذا الجبال سيرت} أي زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعاً صفصفاً، وقوله: {وإذا العشار عطلت} عشار الإبل، قال مجاهد: {عطلت} تركت وسيّبت، وقال أُبيّ بن كعب: أهملها أهلها، وقال الربيع بن خيثم: لم تحلب وتخلى عنها أربابها، والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها، واحدتها عشراء قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بما دهمهم من الأمر العظيم الهائل، وهو أمر يوم القيامة ووقوع مقدماتها، وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها، كذلك لا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا، والراجح أنها الإبل، واللّه أعلم. وقوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} أي جمعت كما قال تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون} قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب، وقال عكرمة: حشرها موتها، وعن ابن عباس قال: حشر البهائم موتها وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس (أخرجه ابن جرير). وعن الربيع بن خيثم {وإذا الوحوش حشرت} قال: أتى عليها أمر اللّه، وعن أُبيّ بن كعب أنه قال: {وإذا الوحوش حشرت} اختلطت، قال ابن جرير: والأولى قول من قال حشرت جمعت، قال اللّه تعالى: {والطير محشورة} أي مجموعة، وقوله تعالى: {وإذا البحار سجرت} قال ابن عباس: يرسل اللّه عليها الرياح الدبور فتسعرها وتصير ناراً تأجج، وفي سنن أبي داود: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً" الحديث، وقال مجاهد {سجرت}: أوقدت، وقال الحسن: يبست، وقال الضحّاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة، وقال الضحّاك أيضاً: {سجرت} فجّرت، وقال السدي: فتحت وصيرت، وقوله تعالى: {وإذا النفوس زوّجت} أي جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، روى النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ: {وإذا النفوس زوجت} فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس (أخرجه ابن أبي حاتم)، وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وإذا النفوس زوجت} قال: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة، وقال مجاهد: {وإذا النفوس زوجت} قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري وعكرمة: زوجت الأرواح بالأبدان، وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين (حكاه القرطبي في التذكرة).
    يتبع [/ALIGN]

  7. #7
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]تكملة سورة التكوير
    وقوله تعالى: {وإذا الموءُدة سئلت * بأي ذنب قُتِلَتْ} الموءُدة هي التي كانت أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءُدة على أي ذنب قُتلت ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذاً؟ وقال ابن عباس: {وإذا الموءُدة سئلت} أي سألت أي طالبت بدمها. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءُدة فقال الإمام أحمد عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئاً"، ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ذلك الوأد الخفي وهو الموءُدة سئلت" (أخرجه أحمد ورواه مسلم وأبو داود والترمذي بنحوه). وروى الإمام أحمد عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلنا: يا رسول اللّه إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم، وتقري الضيف، وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "لا"، قلنا: فإنها كانت وأدت أُختاً لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: "الوائدة والموءُدة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو اللّه عنها" (أخرجه أحمد والنسائي). وفي الحديث: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءُدة في الجنة" (أخرجه أحمد من حديث خنساء بنت معاوية الصريمية عن عمها قال، قلت: يا رسول اللّه من في الجنة؟ فقال الحديث). وعن قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل، يا رسول اللّه مَن في الجنة؟ قال: "الموءُدة في الجنة" (هذا من مراسيل الحسن ومنهم من قبله). وقال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول اللّه تعالى: {وإذا الموءُدة سئلت *
    بأي ذنب قتلت}، قال ابن عباس: هي المدفونة، وقال عبد الرزاق: جاء قيس بن عاصم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إني وأدت بنات لي في الجاهلية، قال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: يا رسول اللّه إني صاحب إبل، قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة" (أخرجه عبد الرزاق والحافظ البزار بنحوه عن عمر بن الخطاب). وقوله تعالى: {وإذا الصحف نشرت} قال الضحّاك: أعطى كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته، قوله تعالى: {وإذا السماء كشطت} قال مجاهد: اجتذبت؛ وقال السدي: كشفت؛ وقال الضحّاك: تنكشط فتذهب، وقوله تعالى: {وإذا الجحيم سعرت} قال السدي: أحميت، وقال قتادة: أوقدت، قال: وإنما يسعرها غضب اللّه وخطايا بني آدم، وقوله تعالى: {وإذا الجنة أزلفت} قال الضحّاك: أي قربت من أهلها، وقوله تعالى: {علمت نفس ما أحضرت} هذا هو الجواب أي إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت، وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً}، وقال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر}. عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت: {إذا الشمس كورت}قال عمر: لما بلغ {علمت نفس ما أحضرت} قال: لهذا أجري الحديث.
    {فلا أقسم بالخنَّس * الجوار الكُنَّس} قال علي: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل. وروى ابن جرير عن خالد بن عرعرة سمعت علياً، وسئل عن {لا أُقسم بالخنس * الجوار الكنس} فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل (أخرجه ابن جرير)، وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنها النجوم، وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم الخنس، أي في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها كنّس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه، وروى الأعمش عن عبد اللّه {فلا أقسم بالخنس} قال: بقر الوحش، وقال ابن عباس {الجوار الكنس} البقر تكنس إلى الظل، وقال العوفي عن ابن عباس: هي الظباء (وكذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحّاك)، وقال أبو الشعثاء: هي الظباء والبقر، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: {الخنس الجوار الكنس} هل هو النجوم أو الظباء أو بقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مراداً، وقوله تعالى: {والليل إذا عسعس} فيه قولان (أحدهما): إقباله بظلامه، قال مجاهد: أظلم: وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس، (والثاني): إدباره، قال ابن عباس: {إذا عسعس} إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحّاك {إذا عسعس} أي إذا ذهب فتولى، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أدبر، قال لقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} أي أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضاً:
    حتى إذا الصبح له تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا
    أي أدبر، وعندي أن المراد بقوله: {إذا عسعس} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: {والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى}، وقال تعالى: {والضحى * والليل إذا سجى}، وقال تعالى: {فالق الاصباح وجعل الليل سكناً} وغير ذلك من الآيات، وقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} قال الضحّاك: إذا طلع، وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبيّن.
    وقوله تعالى: {إنه لقول رسول كريم} يعني إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر، وهو (جبريل) عليه الصلاة والسلام، {ذي قوة} كقوله تعالى: {علمه شديد القوى * ذو مرة} أي شديد الخلق شديد البطش والفعل، {عند ذي العرش مكين} أي له مكانة عند اللّه عزَّ وجلَّ ومنزلة رفيعة، {مطاع ثَمّ} أي له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى، قال قتادة: {مطاع ثم} أي في السموات، يعني ليس هو من أفناد (أفناد: جماعات) الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة، وقوله تعالى: {أمين} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جداً، أن الرب عزَّ وجلَّ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} قال الشعبي وميمون: المراد بقوله {وما صاحبكم بمجنون} يعني محمداً صلى اللّه عليه وسلم، وقوله تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين} يعني ولقد رأى محمد (جبريل)، الذي يأتيه بالرسالة عن اللّه عزَّ وجلَّ، على الصورة التي خلقه اللّه عليها له ستمائة جناح، {بالأفق المبين} أي البين، وهي الرؤية الأولى كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: {علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى}، والظاهر أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء، لإنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أُخْرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى} فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء، وقوله تعالى: {وما هو على الغيب بظنين} أي بمتهم، ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي ببخيل بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: (ظنين) و (ضنين) سواء، أي ما هو بفاجر، و (الظنين) المتهم، و (الضنين) البخيل، وقال قتادة: كان القرآن غيباً فأنزله اللّه على محمد، فما ضنّ به على الناس بل نشره وبلغه وبذله لكل من أراده، واختار ابن جرير قراءة الضاد. (قلت): وكلاهما متواتر ومعناه صحيح كما تقدَّم، وقوله تعالى: {وما هو بقول شيطان رجيم} أي وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له، كما قال تعالى: {وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون}. وقوله تعالى: {فأين تذهبون}؟ فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقاً من عند اللّه عزَّ وجلَّ! كما قال الصديق رضي اللّه عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة الكذّاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة فقال: "ويحكم أين تذهب عقولكم؟ واللّه إن هذا الكلام لم يخرج من إل" أي من إله، وقال قتادة: {فأين تذهبون} أي عن كتاب اللّه وعن طاعته، وقوله تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون {لمن شاء منكم أن يستقيم} أي لمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن فإنه مناجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه، {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين} أي ليست المشيئة موكولة إليكم، بل ذلك كله تابع لمشيئة اللّه تعالى رب العالمين، قال سفيان الثوري: لما نزلت هذه الآية: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل اللّه تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه رب العالمين}. انتهى [/ALIGN]

  8. #8
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER] ((( سورة الانفطار )))

    الحلقة الخامسة
    بسم الله الرحمن الرحيم

    إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ 1 وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ 2 وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ 3 وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ 4 عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ 5 يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ 6 الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ 7 فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ 8 كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ 9 وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ 10 كِرَامًا كَاتِبِينَ 11 يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ 12 إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ 13 وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ 14 يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ 15 وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ 16 وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ 17 ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ 18 يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ 19


    مقدمة : قد تقدم من رواية عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ: {إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت}".
    تفسير الأيــــــات :
    يقول تعالى: {إذا السماء انفطرت} أي أنشقت، كما قال تعالى: {السماء منفطر به}، {وإذا الكواكب انتثرت} أي تساقطت، {وإذا البحار فجرت} قال ابن عباس: فجر اللّه بعضها في بعض، وقال الحسن: فجر اللّه بعضها في بعض فذهب ماؤها، وقال قتادة: اختلط عذبها بمالحها، وقال الكلبي: ملئت. {وإذا القبور بعثرت} قال ابن عباس: بحثت. وقال السدي: تبعثر - تحرك فيخرج من فيها، {علمت نفس ما قدمت وأخرت} أي إذا كان هذا حصل هذا، وقوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}؟ هذا تهديد من اللّه للإنسان (الكلام تهديد كما قال ابن كثير، وليس كما زعم بعضهم أنه إرشاد إلى الجواب حتى قالوا:) والمعنى: ما غرك يا ابن آدم {بربك الكريم} أي العظيم، حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول اللّه تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين"؟ وعن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم} قال ابن عمر: غره واللّه جهله، وقال قتادة: ما غرّ ابن آدم غيرهذا العدو الشيطان، وقال الفضل ابن عياض: لو قال لي: ما غرّك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة، وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم، وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه الكريم، لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة وأعمال الفجور، وقوله تعالى: {الذي خلقك فسواك فعدلك} أي جعلك سوياً مستقيماً معتدل القامة، منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال، روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصق يوماً في كفه، فوضع عليها إصبعه ثم قال: "قال اللّه عزَّ وجلَّ: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي: قلت: أتصدق وأنّى أوان الصدقة؟" (أخرجه أحمد وابن ماجه).

    وقوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم، أو خال أوعم، وقال عكرمة في قوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير، وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير، وقال قتادة: قادر واللّه ربنا على ذلك، ومعنى هذا القول عندهم أن اللّه عزَّ وجلَّ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح، من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه، يخلقه على شكل حسن مستقيم، معتدل تام حسن المنظر والهيئة، وقوله تعالى: {كلا بل تكذبون بالدين} أي إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، وقوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون} يعني وإن عليكم لملائكة حفظة كراماً، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن اللّه ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة اللّه الذين معكم الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره". وفي الحديث: "ما من حافظين يرفعان إلى اللّه عزَّ وجلَّ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة، وفي آخرها استغفاراً إلا قال اللّه تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة" (أخرجه الحافظ البزار عن أنَس بن مالك مرفوعاً)، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "إن للّه ملائكة يعرفون بني آدم - وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم - فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة اللّه ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية اللّه ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان" (أخرجه البزار أيضاً وفي سنده سلام المدائني ليّن الحديث).
    يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا اللّه عزَّ وجلَّ ولم يقابلوه بالمعاصي، ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: {يصلونها يوم الدين} أي يوم الحساب والجزاء والقيامة، {وما هم عنها بغائبين} أي لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ولو يوماً واحداً، وقوله تعالى: {وما أدراك ما يوم الدين} تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله تعالى: {ثم ما أدراك ما يوم الدين}، ثم فسره بقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً} أي لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى، وفي الحديث قال عليه السلام: "يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار لا أملك لكم من اللّه شيئاً"، ولهذا قال: {والأمر يومئذ للّه} كقوله تعالى: {لمن الملك اليوم * للّه الواحد القهار} قال قتادة: {يوم لا تملك نفس لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ للّه} والأمر واللّه اليوم للّه، لكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد0 [/ALIGN]

  9. #9
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER] ((( سورة المطففين )))

    الحلقة السادسة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ 1 الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 3 أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ 4 لِيَوْمٍ عَظِيمٍ 5 يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ 6 كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ 7 وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ 8 كِتَابٌ مَّرْقُومٌ 9 وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ 10 الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ 11 وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ 12 إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ 13 كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ 14 كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ 15 ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ 16 ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ 17 كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ 18 وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ 19 كِتَابٌ مَّرْقُومٌ 20 يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ 21 إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ 22 عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ 23 تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ 24 يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ 25 خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ 26 وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ 27 عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ 28 إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ 29 وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ 30 وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ 31 وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ 32 وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ 33 فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ 34 عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ 35 هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ 36

    تفسير الأيــــــات :
    عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل اللّه تعالى: {ويل للمطفِّفين} فحسنوا الكيل بعد ذلك (أخرجه النسائي وابن ماجه)، وروى ابن جرير، عن عبد اللّه قال، قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن أهل المدينة ليوفون الكيل، قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل، وقد قال اللّه تعالى: {ويل للمطففين - حتى بلغ يقوم الناس لرب العالمين} (رواه ابن جرير)، والمراد بالتطفيف ههنا البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما النقصان إن قضاهم، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك بقوله تعالى: {إذا اكتالوا على الناس} أي من الناس {يستوفون} أي يأخذون حقهم بالوافي والزائد، {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي ينقصون، والأحسن أن يجعل "كالوا ووزنوا" متعدياً ويكون (هم) في محل نصب، وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء في الكيل والميزان فقال تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم}، وقال تعالى: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان}، وأهلك قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال، ثم قال تعالى متوعداً لهم: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم}؟ أي ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل ناراً حامية؟ وقوله تعالى: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} أي يقومون حفاة عراة، في موقف صعب حرج، ضيق على المجرم، ويغشاهم من أمر اللّه تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه، عن ابن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في شحه إلى أنصاف أذنيه" (أخرجه البخاري ومسلم والإمام مالك)، وفي رواية لأحمد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين، لعظمة الرحمن عزَّ وجلَّ يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم (أخرجه الإمام أحمد). حديث آخر: وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود الكِنْدي قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين - قال - فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يأخذه إلجاماً" (رواه مسلم والترمذي وأحمد). حديث آخر: روى الإمام أحمد، عن عقبة بن عامر قال، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "تدنو الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ وسط فيه - وأشار بيده فألجمها فاه - رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يشير بيده هكذا - ومنهم من يغطيه عرقه" وضرب بيده، إشارة (أخرجه الإمام أحمد)، وفي سنن أبي داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يتعوذ باللّه من ضيق المقام يوم القيامة، وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رؤوسهم إلى السماء لا يكلمهم أحد قد ألجم العرق برهم وفاجرهم.

    يقول تعالى حقاً: {إن كتاب الفجار لفي سجين} أي أن مصيرهم ومأواهم {لفي سجين} فعّيل من السجن، وهو الضيق كما يقال: فسّيق وخمّير وسكّير ونحو ذلك، ولهذا عظّم أمره فقال تعالى: {ما أدراك ما سجّين}؟ أي هو أمر عظيم، وسجين مقيم، وعذاب أليم، ثم قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة، وقد تقدم في حديث البراء بن عازب يقول اللّه عزَّ وجلَّ في روح الكافر "اكتبوا كتابه في سجين"، وقيل: بئر في جهنم، والصحيح أن سجيناً مأخوذ من السجن وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: {ثم رددناه أسفل السافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقال ههنا: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين} وهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: {وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً}، وقوله تعالى: {كتاب مرقوم} ليس تفسيراً لقوله: {وما أدراك ما سجين}، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد فيه أحد ولا يتقص منه أحد، ثم قال تعالى: {ويل يومئذ للمكذبين} أي إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم اللّه من السجن والعذاب المهين، {ويل} لهم والمراد من ذلك الهلاك والدمار كما يقال: ويل لفلان، ثم قال تعالى: مفسراً للمكذبين الفجّار الكفرة: {الذين يكذبون بيوم الدين} أي لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه، ويستبعدون أمره، قال اللّه تعالى: {وما يكذب به إلا كل معتد أثيم} أي معتد في أفعاله من تعاطي الحرام، والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.
    وقوله تعالى: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} أي إذا سمع كلام اللّه تعالى من الرسول يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم؟ قالوا أساطير الأولين}، وقال تعالى: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام اللّه ووحيه وتنزيله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به، ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم، من كثرة الذنوب والخطايا، ولهذا قال تعالى: {ما كانوا يكسبون} والرين يعتري قلوب الكافرين، والغَيْن للمقربين، وقد روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}" (أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح) ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال اللّه تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}" (هذا لفظ النسائي وقد رواه أحمد بنحوه). وقال الحسن البصري: هو الذنب حتى يعمى القلب فيموت (وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد)، وقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} أي ثم هم يوم القيامة محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عزَّ وجلَّ يومئذ، وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة، في رؤية المؤمنين ربهم عزَّ وجلَّ في الدار الأخرة، قال الحسن: يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية، وقوله تعالى: {ثم إنهم لصالوا الجحيم} أي ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن، من أهل النيران، {ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون} أي يقال لهم ذلك، على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.

    يتبع [/ALIGN]

  10. #10
    ~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
    .. القــنـــآص ..
    الصورة الرمزية عزوز
    تاريخ التسجيل
    Dec 2002
    الدولة
    ][§][الرياض][§][
    المشاركات
    9,139
    [ALIGN=CENTER]تكملة سورة المطففين

    يقول تعالى: حقاً إن كتاب الأبرار - وهم بخلاف الفجار - {لفي عليين} أي مصيرهم إلى عليين وهو بخلاف سجين، روى الأعمش عن هلال بن يساف قال: سال ابن عباس كعباً - وأنا حاضر - عن سجين؟ قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن عليين؟ فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين (وهكذا قال غير واحد من السلف أنها السماء السابعة)، وقال ابن عباس: {لفي عليين} يعني الجنة، وفي رواية عنه: أعمالهم في السماء عند اللّه، وقال قتادة: عليون ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون عند سدرة المنتهى، والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظماً أمره ومفخماً شأنه: {وما أدراك ما عليّون}؟ ثم قال تعالى مؤكداً لما كتب لهم: {كتاب مرقوم يشهده المقربون} وهم الملائكة قاله قتادة، وقال ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها، ثم قال تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم {وعلى الأرائك} وهي السرر تحت الحجال {ينظرون} قيل: معناه ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم اللّه من الخير، والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد، وقيل: معناه {على الأرائك ينظرون} إلى اللّه عزَّ وجلَّ، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعلاهم لمن ينظر إلى اللّه عزَّ وجلَّ في اليوم مرتين". وقوله تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} أي تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم {نضرة النعيم} أي صفة الترافة والسرور، والدعة والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله تعالى: {يسقون من رحيق مختوم} أي يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر (وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة)، وفي الحديث: "أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء على ظمأٍ سقاه اللّه تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً ثوباً على عري كساه اللّه من خضر الجنة" (أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً)، وقال ابن مسعود في قوله: {ختامه مسك} أي خلطه مسك، وقال ابن عباس: طيب اللّه لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وقال الحسن: عاقبته مسك، وقال ابن جرير، عن أبي الدرداء: {ختامه مسك} قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها (أخرجه ابن جرير)، وقال مجاهد: {ختامه مسك} طيبه مسك، وقوله تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} أي وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى وليستبق إلى مثله المستبقون كقوله تعالى: {لمثل هذا فليعمل العاملون}، وقوله تعالى: {ومزاجه من تسنيم} أي مزاج هذا الرحيق الموصوف {من تسنيم} أي من شراب يقال له تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه، ولهذا قال: {عيناً يشرب بها المقربون} أي يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لأصحاب اليمين مزجاً (قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق وقتادة وغيرهم).
    يخبر تعالى عن المجرمين، أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} أي وإذا انقلب: أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين، أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي لكونهم على غير دينهم، قال اللّه تعالى: {وما أرسولا عليهم حافظين} أي وما بعث هؤلاء المجرمون، حافظين على هؤلاء المؤمنين، ما يصدر عنهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟ كما قال تعالى: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون}، ولهذا قال ههنا: {فاليوم} يعني يوم القيامة {الذين آمنوا من الكفار يضحكون} أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك {على الأرائك ينظرون} أي إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته، وقوله تعالى: {هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون}؟ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين، من الاستهزاء والسخرية أم لا، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله
    . انتهى [/ALIGN]

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تفسير القرآن الكريم لابن كثير كاملا pdf
    بواسطة أهــل الحـديث في المنتدى أهل الحديث
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 25-12-2013, 01:50 AM
  2. تفسير القرآن الكريم كامل للشيخ محمد اسماعيل المقدم
    بواسطة أهــل الحـديث في المنتدى أهل الحديث
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-09-2012, 01:30 AM
  3. برنامج القرآن الكريم بالرسم العثماني مع مختصر تفسير الطبري..للجيل الثالث
    بواسطة السعيدة في المنتدى منتدى الهواتف والاتصالات
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 21-01-2009, 01:27 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •