أهل - الحديث - حديث شريف - محمد - صلى الله عليه وسلم - قرأن كريم






وفيه تمهيد و ثلاثة فروع:



الفرع الأول: فضل الجهاد في القرآن الكريم.



الفرع الثاني: فضل الجهاد في السنة النبوية.



الفرع الثالث: فضل الجهاد من أقوال السلف.


تمهيد:

سبق الكلام على تعريف الجهاد في سبيل الله، وأنه شامل لنشاط المسلم كله مادام يبتغي به وجه الله، وسيأتي مزيد من البيان لذلك، إن شاء الله في فصل أنواع الجهاد.

وتصوُّر فضل الجهاد في سبيل الله، لا يتم إلا بدراسة كل ما يتعلق به من نصوص في الكتاب والسنة وأقوال السلف فيه، وتاريخ المجاهدين من الأنبياء والدعاة إلى الله من أتباعهم، ثم بممارسة من أراد تصور الجهاد تصوراً كاملاً لكل أنواعه، حتى يكون ممَّن اختارهم الله شهداء من المجاهدين في سبيله، فيرى ما وعد الله به المجاهدين في كتابه، وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلم، فيتمنى أن يحييه الله مرات عديدة ليجاهد في سبيل الله كل مرة. أنالنا الله ذلك كله، وألهم شباب الإسلام في كل أنحاء الأرض للسير في طريقه، إنه على كل شيء قدير.

الفرع الأول: فضل الجهاد في القرآن الكريم

لو أراد الباحث استقصاء فضائل الجهاد في القرآن الكريم، بحسب شموله لكل نشاط المسلم، لتعذَّر ذلك عليه، لأن كل أَمْر أَمَر الله به على هذا، هو من الجهاد الذي يسعى المسلم لتطبيقه، وكل نَهْي نهَى الله عنه، فتركه من الجهاد في سبل الله الذي يسعى المسلم للابتعاد عنه، وهكذا كل صفة حميدة، فالسعي للاتصاف بها من الجهاد في سبيل الله، وكل صفة ذميمة، فالاجتهاد في البعد عنها، هو من الجهاد في سبيل الله.

لهذا كان لا بدَّ من ذكر نماذج تتصل بالجهاد بمعناه الخاص، الجهاد في سبيل الله يحقق للأمة الإسلامية الخير على الأمم الأخرى، لأنه قمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا فلاح للمسلمين إلا به، بل عاقبة المسلمين بدونه الخسران في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، لن يضروكم إلا أذىً، وإن يقاتلوكم يُولُّكم الأدبار ثم لا ينصرون} [آل عمران: 110،111]. وقال تعالى: {ولْتَكُن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104]. وقال تعالى: {والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر]. وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} [المائدة: 35].

قال السرخسي: "فأما بيان المعاملة مع المشركين فنقول الواجب دعاؤهم إلى الدين، وقتال الممتنعين منهم من الإجابة، لأن صفة هذه الأمة في الكتب المنزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبها كانوا خير الأمم قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية". [المبسوط (10/2)].

وكما تَفْضُل هذه الأمة الأممَ الأخرى بهذه الصفة، يفضل المسلمُ المجاهدُ المسلمَ القاعدَ بهذه الصفة. كما قال سبحانه وتعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين – غير أولى الضرر – والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجةً، وكُلاًّ وعد الله الحسنى، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجاتٍ منه ومعفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً} [النساء 95-96].

المجاهدون يثابون على حركاتهم كلها


قال تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلَّفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يُصيبهم ظمأ ولا نَصَب ولا مَخْمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يَغِيظُ الكفار، ولا ينالون من عدو نَيْلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 120-121].

ظاهر من الآيتين أن حركات المجاهدين في سبيل الله وسكناتهم وجوعهم وظمأهم وتعبهم ونفقاتهم صغرت أم كبرت، وإغاظتهم الكفار بأي نوع من أنواع الأذى المشروع الذي يلحقونه بهم، كل ذلك يكتبه الله لهم عملاً صالحاً ويجزيهم أحسن ما كانوا يعملون، لأن المجاهدين في سبيل الله لا يرغبون بأنفسهم عن نفس نبيهم صلى الله عليه وسلم التي بذلها طيلة حياته في سبيل ربه، وكذلك لا يرغبون بأنفسهم عن أنفس قادتهم المجاهدين الذين يبذلونها في سبيل ربهم، مقتدين بنبيهم محمد صلّى الله عليه وسلم، لذلك كان لهم هذا الفضل العظيم الذي فضَّل الله كل دقيقة من عملهم وجليلة في سبيل الله، ليغريهم بثوابه الشامل وفضله العميم.

تجارة رابحة


قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تُنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يَغْفِرْ لكم ذنوبكم، ويُدخلْكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنّاتِ عدن، ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب، وبشِّر المؤمنين} [الصف: 10-13].

هذه التجارة هي التي يتمناها أولياء الله المجاهدون لتوصلهم إلى رضى ربهم، ورأس مالها الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وربحها غفران الله ودخول الجنات، يضاف إلى ذلك نصر الله لأوليائه على أعدائه.

وهي الصفقة المعقودة بين الله وبين عباده المؤمنين، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم)([التوبة: 111].

المجاهد تاجر يتعامل مع الله الذي يشتري منه نفسه و هو خالقها، وماله الذي هو مالكه ومعطيه، ويعطيه ثمن نفسه وماله الجنة نقداً لا نسيئة فيه، مضموناً لا خوف من فقده، لأن الله هو المشتري وهو الذي وعد به، وهل توجد تجارة مثل هذه التجارة التي تكون مع الخالق سبحانه؟

حفظ الحق وغلبة الباطل

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبُّهم ويحبُّونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلكم فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتولِّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} [المائدة:54-56].

وقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا آمنا ولولا دَفْعُ الله الناس بعضًهم ببعض لَهُدِّمت صوامعُ وبيَعٌ وصلوات ومساجدُ يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرنَّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} [الحج: 40-41].

فالجهاد في سبيل الله يظهر فضله عندما تأسن الأرض بكفر الكافرين وردة المرتدين وإفساد المفسدين، فإذا المجاهدون هم الذين يطاردون الكفر ويقضون على الردة، ويدفعون عن الحق ويغلبون الباطل، فيقوم في الأرض دين الله ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر.

فائدة مهمة:

هذه الآيات الثلاث جاءت بعد آيات الحج من الآية 27 إلى الآية 38 من السورة، ويبدو لي أن فيها إشارة إلى أن المسلمين الصادقين المخلصين الذين يؤدون مناسك الحج أداء متقنا يُرضيِ اللهَ، يكونون مؤهلين لأن ينصرهم الله على عدوهم الذي يعتدي عليهم، وهم جديرون بالدفاع عن أماكن العبادة والعدوان عليها، سواء كانت مساجد أو غيرها من معابد أهل الكتاب.

ويفهم من ذلك أن المسلمين الذين لا يتصدون لردع المعتدين على مساجدهم، لا يكونون أهلا لنصر الله تعالى، وقد يستنبط من الآيات أن المسلمين الذين يؤدون مناسك الحج ولم يدافعوا عن مساجدهم وأماكن العبادة من تخريب المعتدين،لم يثمر فيهم حجهم وعبادتهم لربهم عند بيته الحرام الإثمار المطلوب، ولو أثمر فيهم حج بيت الله وعبادة الله فيه، لما صبروا على أسر اليهود المسجد الأقصى قبلتهم الأولى ومسرى رسوله صلّى الله عليه وسلم، إلا إذا صدهم عن تحريره صاد، أوردهم عنه راد.

كما هو الحال اليوم، حيث نرى الشعوب الإسلامية في القنوات الفضائية، يتظاهرون كأمواج البحر، يطالبون حكامهم بفتح الحدود لقاتلوا اليهود وينتصروا لإخوانهم المسلمين العزل الذين يشن العدو اليهودي عليهم بجيوشه وعدده الحربية، ويقتل صغارهم وكبارهم، ويهدم بيوتهم ومساجدهم، فلا يجدون من زعماء العرب إلا الإنكار اللساني الفاتر مع القدرة على غيره، والتفرج على مآسيهم، ومجاملة اليهود والنصارى المعتدين فإنا لله وإنا راجعون.

الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج


قال تعالى: {أجعلتم سِقاية الحاجِّ وعِمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟! لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القومَ الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم أعظمُ درجةً عند الله وأولئك هم الفائزون، يُبشرهم ربهم ربُّهم برحمةٍ منه ورضوانٍ وجناتٍ لهم فيها نعيمٌ مقيمٌ، خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة:19-21].

فضل عمارة المساجد – ولاسيما بيت الله الحرام – عظيم عند الله تعالى، ولكنه يفضله الجهاد في سبيل الله، لأنه لولا الجهاد في سبيل الله ما عُمِرت المساجد، بل تُهدَّم ويصد عن سبيل الله فيها.

قال ابن القيم رحمه الله: "فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده عُمّار المسجد الحرام - وهم عُمارهُ بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن - وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات.

فنفى التسوية بين المجاهدين وعُمَّار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عُمّاره بقوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يَخْشَ إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] فهؤلاء هم عمار المساجد ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم" [طريق الهجرتين 623 طبع قطر].

وأي فضل أعظم من عبادة تحقق لصاحبها الرحمة والجنات والرضوان الذي هو غاية المؤمن ومطمح بصرة؟

وإذا كانت هذه الآية تبشِّر المؤمن بهذا الفضل العظيم، فإن آيات أخرى تنكر على المؤمن طلب هذا الفضل بدون الجهاد في سبيل الله: {أمْ حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلمَ الصابرين} [آل عمران: 142].

فوزٌ على كل حال


قال تعالى: {قل هل تربَّصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربَّص بكم أن يُصيبكم الله بعذابٍ من عنده أو بأيدينا، فتربَّصوا إنا معكم متربِّصون} [التوبة: 52].
المجاهدون في سبيل الله فائزون على كل حال، فإن انتصروا على عدوهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم وسبوا نساءهم وذراريهم، نالوا أجر قتالهم وعَزُّوا، وذَلَّ الكفر وأهله، فكانت حسنى لهم.

وإن كانت الأخرى فقُتِلوا هم في سبيل الله، نالوا الشهادة التي لا يعطيها الله إلا من اصطفاه، فكانت أعظمَ الحُسْنَيَين، بخلاف الأعداء الكفرة، فإنهم لا ينتظرون إلا إخزاء الله لهم وإذلالهم بانتصار أوليائهم عليهم – وذلك وبال عليهم – وعذاب الله لهم في نار جهنم وهو أشد وبالاً.

وإذا كان الجهاد في سبيل الله هذه حاله فوز على كل حال؛ فأيُّ فضل يوازي هذا الفضل وأي خسارة ينالها من فرط فيه؟ هذا بالإضافة إلى خسارة عدو المجاهدين على كل حال كما مضى.

حياة غالية


قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يُرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خَلْفهم ألاَّ خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين} [آل عمران: 169-171].

يحدِّد الله آجال الناس كلِّهم في هذه الحياة، فيفارقونها، وتُواري أجسادهم في التراب، ولكن المجاهدين الذين يقتلون في سبيل الله لا تنقطع حياتهم، على الرغم أنهم في الظاهر يموتون كغيرهم وتُوارى أجسادهم التراب، بل ينتقلون إلى الحياة الحقيقية الغالية التي يجري عليهم الرزق الحقيقي الذي لا انقطاع له مثل حياتهم، ولا يصيبهم حَزَن ولا هم، بل هم في سرور مستمر واستبشار بمن وراءهم من المؤمنين الذين يتمنون لهم اللحاق بهم، واستبشار بنعمة الله وفضله وجزيل أجره ومثوبته.

والناس – في الدنيا – لا يشعرون بهذه الحياة الغالية، وذلك الرزق الدائم والاستبشار السار، ولكن عدم شعورهم لا يبيح لهم إنكار تلك الحياة، بل لا يبيح لهم أن يقولوا – قولاً –: إن الذين قتلوا في سبيل الله أموات: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154].

ويصبح الشهيد في موكب تتطلع نفوس المؤمنين بالله إلى مرافقته موكب الأنبياء والصديقين والصالحين: {ومن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً} [النساء: 69]، وكفى بذلك فضلاً.

ملائكة السماء تتجر مع المسلمين في أسواق الجهاد!


قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلةٌ، فاتقوا الله لعلكم تشكرون. إذ تقول للمؤمنين ألن يَكفيكم أن يمدَّكم ربُّكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمين. وما جعله الله إلا بشرى لكم، ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبون فينقلوا خائبين} [آل عمران: 123 – 127].

وقال تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني مُمدُّكم بألف من الملائكة مُردِفين، وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيزٌ حكيم} [الأنفال: 9-10]. وقال: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ} [الأنفال: 12].


وقال: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حُنَين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تُغْنِ عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رَحُبَتْ ثم وَلِّيهم مُدْبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها وعذَّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} [التوبة: 25-26].

وقال: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيراً} [الأحزاب: 9].

المجاهد في سبيل الله الذي هو بشر، يأكل ويشرب ويجوع ويعطش ويتعب ويطيع ويعصي ويتوب، يلتقي في أرض المعركة أخواناً له جاءوا من الملأ الأعلى لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يأكلون ولا يشربون ولا يعطشون ولا يجوعون، وما جعلت هذه الأرض مأوى لهم، وما كانوا في حاجة إلى أن يحيط بهم غبار المعارك الجهادية، ولكنهم علموا أن لهذا المجاهد سوقاً رابحة، وأراد ربُّه أن يريه هذا الإنسان الذي يشترك معه في الإيمان، وقد جعله الله خليفة في الأرض، يصارع الباطل وأهله في سبيل الله.

وشرع لأهل الملأ الأعلى أن يتعاونوا مع إخوانهم المؤمنين في الأرض، على إحقاق الحق وإبطال الباطل بالقوة والبذل والتضحية، وأي فضل مثل هذا الفضل، يلتقي عليه البشر وهم من سكان الأرض، بالملائكة وهم من سكان السماء، في هذه الأرض متعاونين على طاعة الله مجاهدين في سبيله؟ ألا ما أربحها من سوق لا يتخلّف عنها ملائكة السماء!

شهادة بالدم


قال تعالى: {إن يمسَسْكم قَرْحٌ فقد مسَّ القوم قَرْحٌ مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلَم الله الذين آمنوا ويتخذَ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 140].

يشرع الله لعباده أن يشهدوا له بالوحدانية، فيستجيب له عباده المؤمنون، وفي طليعتهم الملائكة وأولوا العلم من البشر: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم} [آل عمران: 18].

يشهد المؤمنون لله بالوحدانية بأقوالهم وأفعالهم كلها: {قُل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أموت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162-163].

ومن هؤلاء يصطفي الله لنفسه من يَفْضُل غيرَه من المؤمنين في أداء هذه الشهادة، أولئك هم المجاهدون الذين يشاركون المؤمنين في أداء الشهادة بالقول والعمل، ويزيدون عليهم فيشهدون بأن هذا الدين حق ببذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، حتى تراق دماؤهم، فينالون الفوز بالجهاد في سبيل الله في الأرض.
ويُبعثون يوم القيامة شاهدين بتلك الدماء، فهم شهداء لله على غيرهم من خلقه، كما أنه الله تعالى يكرمهم بالشهادة التي ينالون بها من الفضل ما هو معلوم من نصوص القرآن والسنة التي مضى بعضها، وهي شهادة تثبت لكل ذي شك بأنها حق (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الحديد: 21، الجمعة 4].

المجاهدون لا يخذلون المظلومين !


قال تعالى: {فَلْيُقاتل في سبيل الله الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغْلب فسوف نُؤتيه أجراً عظيماً، وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلها واجعل لنا من لَدُنا ولياً، واجعل لنا من لدُنْك نصيراً، الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} [النساء: 74-76].

فأين يضع أنفسهم من خذلوا المستضعفين في الأرض، وبخاصة سكان الأرض المباركة: "فلسطين" مع قدرتهم على نصرتهم؟!