أهل - الحديث - حديث شريف - محمد - صلى الله عليه وسلم - قرأن كريم





إذا أحب الإنسان شيئا، حرص على عدم مفارقته، وجد و اجتهد في مصاحبته، وحاول استغلال كل وقت يمكنه الاستفادة منه، فإذا علم أن محبه مفارقه ولا بد، زاد حرصه على مصاحبته، واشتد اجتهاده في أخذ أقصى ما يستطيع الحصول عليه منه مما يفيده وينفعه.

والمرء مع من أحب ، كما عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب) [مسلم، رقم (5817)]

وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ، المسلم بالحرص على ما ينفعه، كما روى أبو هريرة قال، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (.... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز...) [مسلم رقم (2664)]

ومن هنا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يجتهد في العشر الأخير من شهر رمضان، ويحرص على العمل فيهن، أكثر من غيرهن من الليالي التي سبقتهن، رغبة على المزيد من الخير في هذا الشهر قبل تَصَرُّمه، وعلى الليلة العظيمة التي دلت الأحاديث الصحية على أنها أكثر رجاء في العشر الأواخر المباركة منه.

ومعلوم فضل العمل في العشر الأواخر، وفي ليلة القدر، ففي هذه الليلة نزل كتاب الله الهادي، وهذه الليلة هي إحدى تلك الليالي العشر:

قال تعال: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة (185)]
وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} [الدخان (3)]
وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام هي حتى مطلع الفجر (5) [القدر]

روت عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: "كان النبي عليه الصلاة والسلام، إذا دخل العشر، شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله" [البخاري رقم (1920) ومسلم، رقم (1174)]

كما روت عائشة – أيضا - رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: (تحروا ليلة القدر، في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [البخاري، رقم (1913) ومسلم، رقم (1169)]

ورو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) [البخاري، رقم (35) ومسلم، رقم (404)]


أي ربح وأي خسارة؟!

شهر أنزل فيه القرآن، تضاعف حسناته، أمر بصيامه وقيامه، وعشر ذات فضل خاص في شهر رمضان، خصها الرسول عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد في العبادة أكثر من غيرها من ليالي الشهر، وأمر المسلمين بالاقتداء به في الاجتهاد فيها، وفي هذه العشر ليلة هي خير من ألف شهر، وأمر الرسول صلى الله أمته بتحري هذه الليلة والحرص على موافقتها.

الشهر كاد ينصرم، والعشر بدأت تولي، والليلة مبهمة في العشر، وإن كانت أوتارها أكثر رجاء، وليلة السابع والعشرين، أقرب....ولكنها ليست قطعية.

شهر هذا موضعه من الفضل، وعشر تلك مزيتها منه، وليلة لا توجد إلا مرة واحدة في السنة كلها.....

كم سيربح المسلم الصادق الذي صام هذا الشهر إيمانا واحتسابا؟ وكم سينال من رضا الله ورحمته، من قام لياليه إيمانا واحتسابا؟ وكم من الحسنات التي سيكتبها الله لمن وافق الليلة المباركة فيه، وهو مقبل على ربه خاشع خاضع متذلل، يرجو رحمته ويخاف عذابه، ويناجيه بالدعاء: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني)؟

{خير من ألف شهر} لم يقل: إنها كألف شهر، بل قال :{خير من ألف شهر} وهي خيرية مطلقة، قد لا يكون للعدد فيها مفهوم كما يقول علماء الأصول، أي قد تكون خيرا من آلاف الشهور، وكلما كان العبد أشد إخلاصا لله، وأكثر إقبالا عليه، كان فضل الله عليه أوسع، وإذا كان أجر العمل هذا الشهر لا يحصيه إلا الله، فإن للعشر الأواخر فيه خصوصيتها، وفي الليلة المباركة فيه مزيتها....

إن المسلم الذي صام ما مضى من رمضان إيمانا واحتسابا، وقام ما مضى من لياليه إيمانا واحتسابا، وشد مئزره في العشر الأواخر من شهر رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وتحرى الليلة المباركة في هذا الشهر، حرصا على فضلها وترقبا لمشاركة الملائكة المقربين الذين يتنزلون فيها، وامتثالا لأمر رسوله وحبيبه محمد عليه الصلاة والسلام، بتحريها في هذه العشر، إن المسلم الذي يفعل ذلك لجدير برحمة الله ومغفرته، وعتقه من النار..

ولهذا قطع النبي عليه الصلاة والسلام علائقه المعتادة، في شهر رمضان، وكان للعشر الأخيرة منه حظها الأوفر من الإيثار، فجاور فيها ربه حتى لحق بالرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام.

وإن المسلم الذي فرط في العشرين من الشهر المبارك، ثم وفقه الله تعالى، لتدارك ما فات، فشمر عن ساعد الجد، وأقبل إلى الله بإرادة قوية، وإخلاص كامل، فصام إيمانا واحتسابا، وقام إيمانا واحتسابا، وندم على الخير الذي فاته أشد الندم، وتضرع على الله بالدعاء أن يعوضه عن ذلك بعفوه ومغفرته، وعمله الجاد فيما بقي من الشهر، قد يلحق من سبقه، والأعمال بالخواتيم...

وهي فرصة يجب أن يغنمها المفرطون في عبادة الله، في شهر رمضان وفي غيره من الشهور، فقد تتنزل عليهم رحمة الله وعفوه وتوفيقه، فيتوب عليهم، ويهديهم للحرص على عبادته وطاعته وترك معاصيه، حتى يلقوه....

أما من أغواه الشيطان في نهار رمضان، فلم يصمه، وبال في أذنه في لياليه، فلم يقمها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيمن يبيت ليله نائما لا يقوم للصلاة [صحيح البخاري، رقم (1093) من حديث ابن مسعود]

فإن مَن هذه حاله جدير ببعده من ربه وسخطه عليه، وحرمانه من عفوه ورحمته ومغفرته، وجدير بالقرب من عدوه إبليس وضلالته... {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [سورة النور(40)] {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف (17)]

فأي ربح يناله من اجتهد في عبادة ربه في هذا اشهر الكريم، وخص العشر الأواخر منه، بالمزيد من الاجتهاد، وتحرى الليلة المباركة في هذه العشر؟ وأي خسارة لمن فرط في هذا الشهر حتى خرج، وهو مصر على تفريطه؟

وقد أكد جبريل عليه السلام، خسارة من أضاع العمل في هذا الشهر الكريم، تأكيدا يوجب له الحسرة، ويورثه الندم، فدعا عليه وعلى من عق والديه، وعلى من جفا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلم يصل عليه، إذا ذكر عنده، دعا عليه ثلاثا، وأكد ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أمن على دعاء جبريل.

فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام، رقي المنبر، فقال: آمين، آمين، آمين) فقيل له: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال: (قال لي جبريل أرغم الله أنف عبد أو بَعُد، دخل رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أو بَعُد، أدرك والديه أو أحدهما لم يدخله الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف عبد أو بَعُد، ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين). صحيح ابن خزيمة، برقم (1888) وصحيح ابن حبان(907) و رواه جابر بن سمرة، ذكره في مجمع الزوائد، وقال: "رواه الطبراني بأسانيد وأحدها حسن ولهذا الحديث طرق في الأدعية في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام" (8/139)