إظهار / إخفاء الإعلاناتاعلانات منتدى غرابيل
عدد الضغطات : 97
عدد الضغطات : 16,267
عدد الضغطات : 12,256
عدد الضغطات : 12,871
عدد الضغطات : 11,250

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع تقييم الموضوع
قديم 16-07-2009, 05:47 PM   #1

غرابيــل
ذكريات مشرفه
 
الصورة الرمزية غرابيــل

мємвєя »  79572
 Jσiи ᴅαтǝ » Aug 2007
cσиτєиτ » 7,410
sτατє » دولتي
ثـوب الخطيئه,,,,,


رواية ثــوب الخطيئة...

تأليف/محمد بن عصبي الغامدي

(1)
في مدينة جدة وبينما كان إسماعيل حسين أبو طرف جالسا في مكتبه يتحدث مع زميله السيد /عدنان محفوظ في الإدارة العامة لشؤون الموظفين في يوم شديد الحر......إذ دخل عليهما ذلك الرجل الطويل وقد بدت على وجهه آثار العرق وحرارة الجو واندفع مباشرة إلى السيد عدنان وتعانقاعناقاً حاراً.وجلس بجانبه...... أخذا يتحدثان في امور شتى وظهر للسيد إسماعيل أنهما صديقان منذ زمن ..... كان الضحك يغلب على استرجاع تلك المغامرات وتعالت وتيرة الضحكات حتى انه يخيل لمن يراهما أنهما في حالة غير طبيعية...... وطال حديثهما عن أيام الطفولة وشقاوة الصبا..... كان ذلك الرجل اسمه حمزة....وكانت علامات السطوة والاندفاع والجرأة تبدو في ملامح وجهه......كان إسماعيل أبو طرف ينظر إليه وهو يتحدث إلى السيد عدنان بذهول .خصوصا عندما قال.
- تذكر ذاك اليوم.....عندما هربنا من المدرسة ......الله يا ذاك اليوم .... أنا ما أنساه.
- لا تقول لي عنّه .... الله لا يعيده ....بقينا خائفين سنة كاملة .... لكن الله سترها . بس ....... أقول لك..
إحنا ليش ما ودينا الولد المستشفى يوم انكسرت رجله.
- يا بويه كل اللي في المستشفى يعرفونني........ كان من يومها سحب أبويه السيارة مني.....قلنا يمكن اللي عند مدرسة البنات يودوه المستشفى ..وأكيد أنهم ودوه .... أصلاً مستشفى باب شريف جنبهم قريب منهم .... أكيد أهم ودوه المستشفى وأكيد ان أهله أخذوه ....خلاص أنت سمعت عن الموضوع حاجة....؟
- لا.....
- اذاً اكيد ودوه المستشفى ..
- مشكلة الله لا يعيدها .
- بس أنا قلت للي كانوا واقفين .. نصف ساعة وأجيب لكم هوه ....
- ومرّت .والله سترها.
- أيوه مرّت ..والله كان أبويه يسحب السيارة مني ....لأن اللي في المستشفى كلهم زملاء أبويه ويعرفونني. كان فين اودي وجهي من ابويه.... والله ما يسامحني عليها...
جلس حمزة عند زميله عدنان بعض الوقت ثم ذهب وسأل اسماعيل زميله...
- يظهر ان زميلك حمزة هذا ماهو بسيط....
- هذا عفريت .... كان زميلي في المدرسة ايام الثانوية بس ايش.... جني من الجن .... ما عرفت القصة اللي كان يقول عنّها ...
- لا ما عرفت شيء ...
- كنا في نهاية السنة ... اعتقد سنة ثانية ثانوي .. وتعرف ايام آخر السنة ..... يعني زوغنا من المدرسة بعد الحصة الثالثة ..... كان معاه سيارة جديدة وحب يوريني هيه ... بس بعدما تمشينا بالسيارة في جهة النزلة ...وحنا مارين من زقاق كذا ضيق شوية وكان حمزة مسرع ... وعلى طول طلع لنا ولد صغير جاي من الشارع الثاني .. وما شافه حمزة ... وعلى طول لقطه ... وضرب الولد على طرف الرصيف ... ياسيدي والتفوا الناس .. وعلى طول قام حمزة وحمل الولد .... وصاح في الناس اللي التفوا حول السيارة ولبخهم بحركات كذا .. وافهمهم انه راح يوديه المستشفى ..
- ووداه المستشفى ..؟
- لامستشفى ولا شيء .... حطه قدام مدرسة البنات اللي في باب شريف وصلى الله وبارك ...
- طيب ليش ما وديتموه المستشفى..؟
- ابوه كان يشتغل في المستشفى ويعرفوا حمزة... بس الله سترها .. اكيد لحقوه اهله وأخذوه.. بس والله بقينا فترة واحنا خايفين .....
- من ايش خايفين ...
- كان حمزة ما عنده رخصة ويخاف من ابوه برضه..
عندما عاد اسماعيل إلى البيت سرد القصة لأبوه حسين أبو طرف وكان يشرح له ما دار في الجلسة وما اخبره به زميله عدنان وتفاصيل القصة بعد ذلك ......فجأة ...... سأله ابوه .
- قلت لي في أي وقت .
- ما أدري.....لكنني اعتقد انه قال في أيام الثانوية .....يعني احسب أن لهذه الحادثة حوالي 25سنة او20.....يعني بين 20و25سنة ويمكن اكثر ب شوية .عند ذلك استوى الرجل واقفاً.
- هل أنت متأكد من هذا الكلام ....؟.
- نعم سمعت هذا الكلام بإذني .
- وقلت لي أنهم بدل ما يودونه المستشفى وضعوه أمام مدرسة البنات.
- نعم.......ويقولوا أنهم تركوه أمام المدرسة وذهبوا .
- ما تدري أي مدرسة من مدارس البنات ....
- المدرسة اللي في باب شريف .... .
- الله اكبر.......هذه الحادثة أنا أذكرها جيدا واذكر انه تم تسجيلها ضد مجهول.... والولد الى الآن ضائع ..... يا الله ... معقول... هل وجدنا طرف خيط ممكن ان يوصلنا لحل هذا اللغز الذي بقي مبهماً خلال هذه الفترة ... انت تعرف فين ساكن ....؟
- لا ...... لكنني اعرف الدكان ... اقصد ان عنده ورشة لاصلاح السيارات .. واعرف مكان الورشة حسب ما وصفوها ..
وبقي هذا الأمر في ذهن السيد حسين أبو طرف..... ومن صباح اليوم التالي ذهب إلى مقر عمله القديم ......
ترك العمل حسين أبو طرف في إدارة الشرطة قبل حوالي ست سنوات وكان عندها برتبة نقيب........ عاد إليها اليوم بعد أن غادرها اغلب زملاؤه الضباط اللذين كانوا يعملون معه.
كان مدير الإدارة احد زملاؤه اللذين كانت تربطه بهم علاقة طيبة فاتجه إليه واخبره بالقصة كاملة.... وطلب منه الأذن أن يكمل هو بنفسه المهمة التي كانت تحت يده عندما كان على رأس العمل في تلك الفترة ...بل من المشاكل التي تعب تعباً شديداً للوصول الى حقيقتها فلم يستطع .....رغم البحث والتحري في ذلك الوقت والتي استمرت فترة طويلة ..... إلا أن القضية لم يتضح لها طرف... وتعثرت كل الجهود في الوصول إلى الطفل المفقود.....كان اسم الطفل المفقود/ فوزي جابر العلوي ..
اخبره مدير الإدارة عند ذلك ان الأمور أصعب ممّا تصورها حسين أبو طرف .... اذ انه بموجب الأنظمة الجديدة لا يمكن الموافقة على تكليفه بتلك المهمة بعد إحالته على التقاعد...... فلابد للضابط المكلف بتلك المهمة أن يكون معه فريق تحت أمرته وأن يكون على رأس العمل ولديه الصفة الرسمية التي يتمكن بها من اصدار اوامر للفريق الذين يساعدونه في البحث من جديد وبطريقة رسمية ... وتأخذ الناحية النظامية اكبر في التحرك والتحقيق ...
وطلب منه ان يعمل متعاونا مع احد زملاؤه الضباط لإكمال هذه المهمة وتسير الأمور بعد ذلك بشكل رسمي. كما طلب منه ان يتعرف على الرجل ومكان اقامته ومقرعمله وأن يبقى تحت نظره حتى يبت في الأمر ....
تم تكوين فريق عمل لذلك ......كان الفريق يتكون من ضابط برتبة ملازم واثنين من صف الضباط وعدد من الجنود.
بدأ الملازم فهد في مهمته من اليوم التالي ...... وأخذ بعض زملاؤه من فريق المهمة وذهب إلى إدارة تعليم البنات ومن هناك قابل مدير التعليم واعطاه فكرة عن الموضوع وطلب المساعدة واخبره انه سيذهب الى المدرسة لاستكمال التحقيق ومتابعة الموضوع كما طلب من مدير التعليم ان يكون معهم عضواً من الادارة عند الذهاب الى المدرسة .....
في اليوم التالي اتصل الملازم فهد بمديرة المدرسة واخبرها أن هناك أمرا يستدعي ان يقوم بزيارة المدرسة ومقابلتها مع معاونتها وحارس المدرسة وان الموضوع مجرد تحريات عن أمور سابقة وسيكون معه مندوب من ادارة تعليم البنات فرحبت به ........
كان ذلك في اليوم التالي وحضرت المديرة ومراقبة المدرسة والحارس وزوجته وكان الموضوع اجتماع مغلق وسري للغاية...
طلب الملازم فهد من الجميع أن يتم مناقشة الموضوع في غاية السرية ....وأي معلومات تظهر عن هذا الأمر فإن المتسبب سوف يكون عرضة للعقاب الصارم....... وتأمل من الجميع التعاون اللا محدود في سبيل الوصول إلى الحقيقة .كما طلب بياناً بأسماء المديرات والحراس اللذين تعاقبوا للعمل في المدرسة منذ انشائها وكذلك بياناً بأقدم المعلمات والعاملات .في المدرسة وعلى قدر ما تكون المدة التي قضتها المعلمة في هذه المدرسة أطول فأن الحاجة إليها تكون اكبر أيضا ثم اردف قائلاً :
ليس هناك أي أمر يستدعى الخوف أو الإنزعاج فالموضوع يتعلق بطفل وصلتنا إخبارية انه وضع عند باب هذه المدرسة قبل حوالي 25 سنة ولعل بعضكن تتذكر هذا الموضوع ونحن نريد أن نعرف الحقيقة وأهل الطفل قد بحثوا عنه حتى تعبوا وتعبنا نحن في الشرطة ايضاً فلم نعثر له على خبر ..... ولكن الآن وصلتنا معلومة حديثا قد تكون مدخلاً للوصول الى الحقيقة ولعل من بينكن من يعرف شيء عن هذا الموضوع فأنا أريد التعاون من الجميع ..... وسوف تحصل من تقدم لنا خدمة أو معلومة في هذا الموضوع على مكافأة مالية كبيرة سواء من الدولة.....أو من أهل الطفل... وأيضاً نريد ان نعمل بسرية تامة وأي شخص لا يريد ان يتكلم أمام الجميع فبالإمكان أن يتصل بي بالتلفون وسوف يبقى الموضوع محل السرية ولن يكشف عن اسمه أبدا ...وأنا اعتقد انه لا يوجد أي أمر تتخوف منه أيّاً منكن فالطفل ضائع ونريد أن نعيده إلى أهله وكل إنسان قد يتعرض لمثل هذا الموقف وبقدر ما يساعد الإنسان في الوصول إلى الحقيقة بقدر ما ييسر الله له من يساعده إذا وقع في مشكلة مثل هذه والدنيا اخذ وعطاء ....ولهذا كان اجتماعنا والسلام.
- والله يا خويه أنا مالي غير 5 سنوات في هذه المدرسة ولا عمري سمعت عن هذا الولد شيء.(قالت ذلك مديرة المدرسة).
- طالما أن الطفل أنفقد عند باب هذه المدرسة.....لابد أن يطلع ...ونحن الآن .....نقول نتساعد......يمكن بعض المعلمات سمعت عنه بعدما وصلت إلى المدرسة.......يمكن واحدة من زملائك سمعت عنه ....... قبل أن نبدأ في البحث عن المديرات اللاتي قبلك في هذه المدرسة.
- .............لم يتكلم أحد.
- أي واحدة من الأخوات المعلمات صار لها. ..فترة طويلة في المدرسة.؟
- الأستاذة.... إيمان.
- ممكن تطلبيها لنا.
- نعم.....وأرسلت إحدى العاملات في المدرسة وحضرت. وسألها الضابط ..
- كم سنة يا أخت إيمان صار لك في هذه المدرسة.
- حوالي عشرين سنة.
- ممتاز جدا.....سمعت بالطفل الذي رماه صاحب سيارة عند باب المدرسة في ذلك الوقت..
- لا.......ما سمعت.
- تذكري....؟.
- ما عندي فكرة عنّه.
- الموضوع....عمل إنساني ولا هناك أي خوف من أي بلاغ عنه أو معلومة توصل له.... فقط نريد أن نعيده إلى عائلته.
مرة اخرى.. أنت يا مديرة المدرسة نريد منك أن تكتبي لنا جميع عناوين الأخوات المديرات اللاتي عملن قبلك في المدرسة من واقع الملفات الموجودة لديك وكذلك الحارسات والحراس ...قد تجدينها في ملفاتهم الموجودة في المدرسة ونريد بعض الملفات اذا احتجنا عليها في حينها قد نجد بها معلومات اخرى ....... يمكن تحصلين على عناوينهم أو تلفوناتهم وبعد أسبوع أريد أن تكون جاهزة ثم أستأذن وانصرف .....وعندما خرج من باب المدرسة خطر على باله أن يبحث مع أصحاب البيوت المحيطة بالمدرسة وأن لا يترك بابا يمكن أن يحصل منه على معلومة حتى يطرقه .
كان الوقت ضحى وأغلب أصحاب البيوت في أعمالهم فقرر أن يعود إليها بعد صلاة العصر ...... وفعلاً عاد إلى الحارة بعد صلاة العصر وبدأ يطرق الأبواب واحداً بعد الآخر ويسأل عنه ويتحرى عن أي خبر او معلومة حول الغلام ...حتى تعب..... وكان الجواب سلبيا دائما.....لكنة لم ييأس ......
بعد أسبوع عاد إلى المدرسة لأخذ البيان الذي طلبه من مديرة المدرسة......وخطر له فكرة مقابلة الأستاذة إيمان مرة أخرى مع مديرة المدرسة فقط.
حضرت المعلمة إيمان وجلست على كرسي قريبا من الباب....فقال الضابط....:
- أنا ادري أن عندك معلومات يا أخت أيمان وقد لا تريدين التحدث بها أمام زميلاتك لكن الموضوع ليس فيه عليك أي مسئولية وإذا كنت سمعت عن هذا الطفل فلا يجب أن تسكتي او تتستري على من يريد أن يأخذه من أهله ....... وهبي نفسك أنت في مقام اُمه..... ارجوك .....لا تساعدين الظالم على ظلمه..
أنا اعتقد إن بإمكانك أن تساعدينا على كشف الحقيقة والولد قد يكون بخير...... وكل ما هنالك نريد أن نعيده لإهله .
- شف يا خويه......أنا بأقول لك الصحيح ...وأنا ما شفت لكنني سمعت عن موضوع الطفل.... وأنا ما أدري هذا الكلام صحيح وإلا ماهو صحيح.
- أيوه......الله يوفقك...
- يقولوا ياخويه..... أنه أخذته الخالة رمزية وزوجها اللي كان حارس عند الباب وأنهم ربوه وصار ولدهم .
- خلاص ....هذا اللي نريده منك..... لكن ما تعرفين من فين الخالة رمزية. او فين ساكنة...؟
- لا والله هي وزوجها تقاعدوا من زمان....
- ولا تعرفين عنوانها اوتلفونها......؟
- لا والله ما أعرف.
- أحنا الآن ناخذ أقوالك وأنت قد تحصلين ... على مكافأة كبيرة إذا وجدنا الولد.
ياخويه أنا ما أبغى مكافأة.....أنا من يوم ما قلت لي وأنا ما أنام الليل ..... ضميري يعذبني......أنا لازم أقول الحقيقة.....أيش ذنب هذا الطفل.... وأيش ذنب أهله . انا برضه اخاف على عيالي ......وأنا قلت اللي اعرفه وريّحت ضميري وأنتم ابحثوا عنه بطريقتكم الخاصة.
- أنت ما قصّرت والله يجازيك كل خير....ولك أجر عظيم بأذن الله وكذلك هذه خدمة للوطن والمواطنين (ثم التفت إلى مديرة المدرسة وطلب منها البحث عن أي عنوان أو تلفون أو أي شيء يمكن أن يستدل به على عنوان الخالة رمزية.)..
حاول الضابط فهد بموجب اسم الحارس مستور زوج الخالة رمزية. وصورة تابعيته الموجودة في ملفه في إدارة المدرسة أن يصل منها إلى ما يدله على مكان إقامته .... والذي كان أمله أن يكون واضحا......ويمكن أن يبدأ معه البحث عن الرجل وزوجته منه ... فكان مكان الإقامة .... مدينة جدة ...وهذا عنوان قد يبدو مبهما بعض الشيء ..... وقد يكون قد غيّر مكان إقامته بعد التقاعد .... لكنه لا يزال يرى ان هناك أملا في الوصول إليه .... لذلك فقد اخذ يدون في دفتره كل المعلومات الموجودة في ملفه لعله يجد مدخلاً يوصله إلى عنوان الرجل أو يحصل منها على فائدة قد يحتاجها في يوم من الأيام .
كانت جميع المعلومات المدونة في ملفه مختصرة وقد لا يمكن أن يصل منها إلى عنوان الرجل أو مكان إقامته الدائم في ذلك الوقت ......
قرر أخيرا أن يضع إعلان في إحدى الصحف المحلية يذكر فيه أن للسيد مستور الجميل باقي رواتب وأجور منقطعة وعليه أو على ورثته الإتصال برقم هاتف تم وضعه في الجريدة....
لم يطل الانتظار بعد ذلك كثيرا حتى تم الاتصال برقم الهاتف الذي كان موجودا في غرفته وكان احد أبناء الجيران للسيد/مستور الجميل .
- انا خالد من جيران السيد مستور الجميل وجدت هذا الرقم في الجريدة وعليه خبر أنه باقي له مستحقات مالية.
- نعم هذا صحيح ويمكن أن تقابلني في إدارة تعليم البنات غداً أو إحضاره ويستلم المبلغ........ أنت ولده.....؟ (قال ذلك الملازم فهد )
- لا ..... انا من جيرانهم .
- وأين السيد مستور ......؟.
- الله يرحمه.
- وزوجته ....أليست على قيد الحياة......؟
- بلى .....هي موجودة في البيت.
- لا بد من إحضارها معك فلها مستحقات ايضاً.
- لا تستطيع الحضور إنها كبيرة في السن.
- هذه ليست مشكلة ......إذا تقابلنا يكون خير...... يمكن ان نذهب انا وأنت اليها .
بعد أن أنهى الملازم فهد المكالمة.
توجه مباشرة إلى إدارة تعليم البنات وتم ترتيب الوضع الذي سيتم استقبال ذلك المتصل غدا.... ثم انصرف وقبل ذلك اتصل بزميله المتقاعد حسين ابو طرف وأبلغه بما وصل اليه .....
في اليوم التالي وصل السيد خالد ....إلى إدارة تعليم البنات وفي نفس الوقت ...أخذه الملازم فهد إلى إدارة الشرطة وهناك بدأ التحقيق معه.
- اسمك....؟
- خالد سليم .
- قلت ان السيد مستور الجميل قد مات .
- نعم هذا صحيح.
- ومتى توفي...؟
- قبل ثلاث سنوات.
- وأين زوجته السيدة رمزية....؟
- إنها بالبيت.
- في أي حي انتم ؟
- في وادي فاطمة ..
- نريد مقابلتها.
- لماذا...؟
- سوف نخبرك في حينه...... هل عندها اولاد .....؟
- لا ما عندها ..
- اكتب لنا العنوان كاملاً.....ونريد أن نقابل السيدة رمزية .. وستكون انت معنا ..
- لماذا....؟
- هناك أمور تتعلق بالعمل أيام المدرسة....
- ليس لدي مانع .
- إذا فلنذهب إليها الآن .
وذهب خالد مع الملازم فهد وبعض معاونيه إلى وادي فاطمة وهناك قابلوا الخالة رمزية.
كانت في الستينات من عمرها لكنها لازالت نشطة ومدركة......كان الوقت ظهراً فوجدوها تصلي صلاة الظهر وبعد أن انتهت من صلاتها قامت إليهم في المجلس.
كان الضابط جالساً مع خالد.واثنان من رجال الأمن. في المجلس فقال الضابط ....:
- ياخالة .... نحن نريد أن نستوضح منك موضوع.حصل أيام المدرسة ولعلك تذكرينه جيدا.
- ربما تسأل عن الغلام الذي وجدناه أمام المدرسة.
- كيف عرفت ذلك ..؟
- كنت انتظر من يسأل عنه منذ زمن ..
- نعم.......هذا الموضوع الذي نريد أن نبحثه معك.
- هذا الطفل وجدته أمام المدرسة... وكانت رجله مكسورة وكنت جالسة في غرفة الحارس مع زوجي مستور ....الله يرحمه وسمعنا صراخ طفل فوجدناه يبكي...... كان عمره يمكن .حوالي سنتين.....التف عنده أولاد صغار وخرجت أنا....فأخذت الولد وعندما حاولت أن أوقفه ...كان رافعا رجله فعرفت ان رجله مكسورة ... فقام مستور... وأخذناه عندنا في غرفة الحارس........ قال زوجي.:
..هيا نذهب به إلى المستشفى...... والحقيقة إنني خفت أن أدخل أنا وزوجي في سين وجيم عن هذا الولد ونحن لا نعرف عنه شيء بل كنا نحسب انه من.....الأولاد....الذين........؟؟ ؟؟.... وكان زوج اختي الله يرحمه يعرف يجبّر الكسور ... فقلنا نأخذه ونوديه له في وادي فاطمة ...... ونجبر الكسر الذي في رجله.... وعندما وصلنا الى اختي وزوجها طلبوا منا ان نتركه عندهم حتى يجبر الكسر وقلنا لهم إن سأل عنه احد او عرفتم اهله فسلموه لهم لكن لم يسأل عنه احد ..
- نعم وبعدين.
- أخذناه عندنا في البيت بعد ستة اشهر...وجبرت رجله وربيته حتى كبر.
- وأين هو الآن.....؟
- جا يتك بالكلام .
هذا الولد ربيته واتخذته ولدي فأنا ما عندي عيال وقلت لو حد سأل عنه او طلع له اهل سلمناه لهم ..... لكن ماحد سأل عنه بعد كذا أضافه مستور في تابعيته ودرّسناه حتى تخرج من المتوسطة.
- أيش سميتوه.
- سميناه حامد .
- حامد بن مستور الجميل.
- نعم....هذا اسمه.
- وبعدين....؟
- بعدين لما تخرج من المتوسطة حصل بينه وبين واحد من عيال القرية مضاربة وهواش وقالوا له كلام لم يتحمله .
- كلام أيش....؟
- كلام كذا .....يقولوا أنك من أولاد الشوارع .. او ابن حرام أو حاجة زي كذا.
- وبعدين....؟
- جاني يبكي.......ويتعلق بثوبي ويسألني عن كلامهم.
حاولت أن أبدد شكوكه... وأحلف له أنه ولدي وأن مستور ابوه لكنه كان مستوحش... لم يصدقني ....
- وأين هو الآن.....؟
- لقد راح ......وأخذت تبكي.
- فين راح....؟
- هذا الذي لا أدري عنه........وين يكون راح المسكين..الله أعلم.
- منذ متى فارقكم.....؟
- قبل اكثر من عشر...سنوات تقريباً.
- ولم يكن له أي إتصال بكم بعد خروجه من عندكم....؟
- لا... أبدا.
- هل تعتقدين أن هناك مكان يمكن أن يذهب إليه....؟
- لا أدري.......لكنني لو أعرف مكانه لذهبت إليه أنا...... صار ولدي....لقد ربيته منذ كان عمره سنتين تقريبا.
- هل لديه بطاقة شخصية........؟
- عنده صورة من تابعية زوجي مستور ..
- شكراً.... أريد تابعية زوجك او صورة منها ..
- حاضر يا ولدي .. ثم قامت وأحضرت تابعية زوجها وسلمتها اليه ...
- أخذ التابعية معه وقال :.إذا سمعت عنه أي خبر فأرجوا الاتصال بنا.على التلفون الذي عند خالد.....
ثم أنصرف من عندها وقدماه تخطا الأرض وكأنه كان يطرد سرابا......وضاع منه الأمل في آخر لحظة.
لكنه قد عرف الآن إن اسمه حامد مستور الجميل وأنه يمكن ان يراجع الأحوال المدنية لكي يحصل على التابعية في يوم من الأيام .
في اليوم التالي ذهب إلى إدارة الأحوال المدنية وقابل مدير الإدارة وطلبه المساعدة في البحث عن حامد عن طريق الإسم الذي يحمله فأبدى استعداده للمساعدة وأرسله إلى قسم النفوس لكن لم يكن هناك ما يمكن أن يساعده على الوصول إلى ما يطلبه. ..... فلم ييأس وكان يعتقد أن الغلام ربما يعود إلى تلك المرأة....





(2)
وصل حامد إلى أطراف مدينة جده 0
فأين يذهب.......... ؟
انه وحيد وغريب وخائف لاتعرفه الأرض ولا ساكنيها ....يمشي ولازال يحداه ذلك الطارق اللئيم الذي يقرع في أذنيه وفكره.... انت ابن حرام ....هذا ماهو ولدك يارمزية.... وأنت تعرفين انه ابن حرام .....انت أخذتيه من عند المدرسة0.......
هل يذهب إلى البحر يرمي بجسمه القذر كما كان يراه فيه..... حتى يغرق ويخرج من هذا الكابوس الذي يعيش فيه ..لكنه يعود إلى هاتف يردعه عن ذلك ...انه قول أمه رمزية ...اهلك ماتوا في حادث سيارة.. والدليل أنني عندما أخذتك كانت رجلك مكسورة 0
أظلمت السماء ...وأعلن الليل قدومه ليلبس الأرض ومن عليها ثوبا اسودا....... كان هناك بالقرب منه عمارة لازالت في طور الإنشاء ...فآوى إليها ....لقد تعب من المشوار فالقرية التي اتى منها في وادي فاطمة بعيدة وقد قفز على ظهر سيارة وقود من هناك حتى وصل مدينه جدة .... وعند أول إشارة في البلد نزل منها دون أن يعلم السائق بركوبه ولا بنزوله.....
....انه يريد أن يبيت ليلته تلك ثم في الغد يفعل الله مايشاء ..... صعد درجها ... كان هناك في الدور الثاني كرتونا وفرشة قديمة.... كأن العمال كانوا يأكلون عليها.... فسحبها إلى طرف غرفة لم يكتمل بناؤها بعد..... وألقى بجثته عليها ونام ....
لم يفق في صباح اليوم التالي إلا من حركة العمال اللذين بدأوا... في التحضير لأعمال بناء الطوب في هذه العمارة ...
- فيه ولد نايم هنا ...(قال ذلك احد العمال )...
- لايكون ميت......
- لا....انه نايم ..
- ازهم عليه ...
- ياولد.....ياولد ..
- نعم....ثم استوى واقفا ..
- ايش تعمل هنا ؟...
- نمت .....
- أنت الحارس الجديد ..
- لا.....لكنني ممكن أقوم بالحراسة إذا رغبتم ...
- ايوه .....صاحب العمارة يدور على حارس ..
- خلاص أنا اجلس احرس له العمارة
- ترى الرجال طيب ...بس لازم تكون واعي وفي الليل ماتنام .....واحنا نقول له ..
- ايوه ......جزاك الله خير ...
- أنت من فين .......؟
- أنا سعودي ...
- عندك تابعية ؟
- عندي صوره من تابعية والدي ..
- ممكن توريناها........ ؟
- نعم....( وأخرج لهم صورة التابعية )..
- طيب ....هذا الأمر طيب ..
خليك قريب منا هنا وإذا جاء صاحب العمارة نقول له ..هو يمكن يجي بعد قليل ....
- خلاص أنا لن أروح بعيد ..
- يالله..... تعال أول شئ افطر معنا ....ثم خلك قريب منا ..
كأن حامد اعجبه هذا العرض ....وبدى له ضوء أمل في الحصول على شغل يبدأ منه ... ويحصل على ما يشتري به ما يأكله على الأقل.... كذلك وجد مكانا يأوي إليه فهو لايعرف أحدا........ ولا عنده فلوس.... وكل الدنيا يرى أنها تكرهه... أو إن الذنب الذي اتى به إلى الدنيا هو لعنة لايمكن أن يفك منها رباط عنقه.......ذلك الرباط الذي يحس انه يخنق أنفاسه00
بعد قليل أتى صاحب العمارة وقابله بعد أن خرج يمشي حول العمارة قليلا ...فعاد إليها ووجد العمال قد اخبروه ...
- أهلا وسهلا 00ايش اسمك....؟
- اسمي حامد ...
- حامد ...حياك الله ....انا اسمي ممدوح ...
- تسلم.....
- ايش رأيك قالوا لي الجماعة انك موافق تحرس العمارة....
- أحرس وأرش.... واعمل كل مايلزم .....
- قد اشتغلت قبل كذا 00
- لا...ابدا..... لكنني أعجبك00
- خلاص توكل على الله .....انا أعطيك100ريال
- الله يستر عليك 100ريال ماتكفي...انت تدري إنني احتاج اكل وشرب ولباس....
- طيب... بإمكانك تحرس بعض العمارات القريبة منا 00والناس اذا شافوك امين سوف يطلبون منك ان تحرس عندهم ...
- أقول لك أنا سوف أكون حارس في عمارتك .....رش وحراسة وأنا الآن في عمارتك أنت .....بعدين أنا ما ادري اجد عمارة غير عمارتك..أم لا..
- طيب150ريال ؟
- 200...اذا تبغاني أجلس وإلا ..
- خلاص أنا أعطيك 200 بس.....يعني ما أوصيك ...
- توكل على الله....وأنت سوف تكون مبسوط..
- توكلنا على الله ..
- أعطني 100 ريال تحت الحساب...
- طيب..... مابعد اشتغلت ..
- يابن الحلال توكل على الله 00أنا ماني حرامي ..أنا أدور شغل..
- خذ.... هذي 100 ريال ..
استلم حامد العمل بعد ذلك وكان شعلة من النشاط .....وعندما شاهده بعض أصحاب المباني المجاورة طلبوا منه حراسة عمارتهم ...حتى أصبح يشرف ويحرس أكثر من خمس عمارات...
وذات يوم كانت حركة الشارع مختلفة... الجنود منتشرين في كل مكان والسيارات العسكرية تذهب وتعود وكانت في كل مرّة تنزل جنوداً في الشارع ثم تذهب ...... طلب عمال البناء من حامد ان ينزل الى الشارع يستوضح الخبر .... اقترب من أحد العسكريين ... سأله ..
- وش فيه .. ليش العسكر كذا ؟
- لم يرد...( كان يبكي )..
- اش فيه .. قل لي يا ابن الحلال....؟
- اتركني بحالي الله يوفقك...
- قل لي وش صار..... خوفتني ...
- روح في حالك ...ما دريت ..؟
- لا ما دريت.... ايش صار ...؟
- الملك فيصل انقتل ....
- ومن قتله ......؟
- المهم انقتل الملك فيصل ... ... ثم اندفع يبكي مثل الأطفال ..
اخذ حامد يبكي معه وجلس امام العمارة ولم تعد رجلاه تحملاه....
دخل الى مكان سكنه وفتح الراديو الصغير الذي كان بجانب فراشه فاذا الأخبار تنعي الملك الذي عاش في قلب كل مواطن سعودي وثكلته البلاد والعباد ..... واذا الملك خالد يتكلم في الإذاعة ..

(..بقلب مليء بالحزن والأسى، ومع تسليمكامل لإرادة الله وقضائه، أنعي إلى العالمين العربي والإسلامي.. وإلى شعبنا المخلصالوفي صاحب الجلالة المغفور له.. الملك فيصل بن عبدالعزيز.. والذي شاء الله أن ينقلهإلى جواره في صباح يوم الثلاثاء 13-3-1395 هـ .. على أثر حادث اعتداء أثيم في وقتنحن أشد ما نكون فيه حاجة إلى قيادته وحكمته وسداد رأيه...
كانت هذه الكلمة التي تلاها الملك خالد وهو ينعى للشعب السعودي والأمة الإسلامية موت قائدها ورمزها الملك فيصل يرحمه الله ..
كان الملك فيصل للشعب السعودي الأب والأخ والصديق وميزان العدالة ... لقد استضل تحت هيبة الحق فخافه الباطل وأهله...
وأسس لدولة حديثة على أساس قوي قواعدها النزاهة والعدل .
...وغدى ذلك النشيد الوطني في حينه .( ربنا واحد ) على كل لسان ..كانت المصيبة عظيمة والجرح غائر في عقول الناس وقلوبهم لكن شاء الله أن يموت الملك الذي أحبه الناس وأحبهم شهيدا.. وهذا يكفي .....لقد أصبح الجميع يردد..

ربنا واحد .. ودربنا واحد .. كلنا فيصل .. وكلنا خالد ..
كلنا فيصل .. يا سيوف العز .. والمجد التليد
وكلنا خالد .. بالعمل والجد .. والرأي السديد
حنا الى مات البطل فينا شهيد .. أحفاد أبو بكر .. وعمر وابن الوليد ..


كان يردد في المدارس وفي الإذاعة ... والحقيقة أن لهذا النشيد الوطني دوراً في تضميد الجراح التي كانت تنزف.....بل انتشل منهم كثيراً من الحزن الذي ألحقه موت الملك بالوطن وأهله .

تعرف حامد على كثير من العسكر الذين كانوا يتناوبون على المرابطة في تلك المنطقة ....كان يحضر لهم الماء وبعض الأكل الذي يطلبون منه إحضاره من المطعم الموجود في الشارع الآخر وذات يوم اصيب احدهم بإغماء من جراء ضربة شمس فأخذه حامد الى المستشفى وبقي معه إلى أن أفاق وخرج في اليوم التالي ....
بعد الإنتهاء من أعمال البناء في عمارة السيد ممدوح طلب منه الاستمرار في العمارة فهو يريد أن يبدأ في أعمال التشطيب ويخاف على مواد السباكة والكهرباء من السرقة.......وقد أصبح يثق فيه تماما ويطلب منه ان يشتري الماء ...ويتابع العمال في التلييس وأعمال القيشاني والبلاط 0.....0المهم لم يخرج من تلك العمارة إلا بعد ان أكتملت وتشطبت العمارة.. فانتقل إلى بعض العمارات المجاورة وأصبح لديه مبلغا من المال 000
استمر في حراسه المباني الجديدة وكان كل يوم افضل من الذي قبله فقد خدم اصحاب العمائر في كل شيء واصبح المسئول عن مراقبة العمال وكذلك شراء بعض المتطلبات التي تنقص على العمال مثل الأسمنت والبطحاء وغيرها.... واشتد عوده واستوى شاباً فتياً قوي البنية....
أحب المكان الذي يعمل فيه وكذلك أحب العمل الذي يزاوله.. لكن الأمر قد تغير فجأة.... حيث أتى إليه صاحب عمارة جديدة يطلب منه الإشراف وحراسة العمارة التي ستقام قريبا من العمارة التي يحرسها 0
كان ذلك الرجل من جيران أهله في وادي فاطمة فعرفه ..
- مين .....حامد.... ؟
- أيوه حامد ....
- أين ذهبت ياطيب ....أمك تسأل عليك ....أين رحت.. ؟
- أنا اعمل هنا كما ترى..
- هل يعرفون الجماعة عن مكانك ..
- نعم ...خالد يزورني هنا ..
- خلاص ...إنت ماتحتاج توصية .. وزي مايعطونك الناس أنا أعطيك..
- اللي تشوفه ..
بعد أن غادر الرجل المكان ..لم يستطع حامد أن يبقى في ذلك المكان فأمسى في تلك العمارة ولم يصبح ....0لقد ترك الحراسة ... واختفى من تلك المنطقة نهائياً..
(3)
يعمل حمدان الدواس سائقاً خاصاً للسيد ربيع الصافي منذ أكثر من عشر سنوات وكانا صديقان خلال هذه الفترة فالسيد حمدان رجل هادي جدا وأمين وعاقل لذلك كان كل يوم يزيد تمسك السيد ربيع الصافي به ويقول عنه دائما.....::(رفيق دربي).
وفي يوم من الأيام وعندما انتهى السيد ربيع من عمله في الشركة التي يملكها في حي الرويس بمدينة جدة ....نزل إلى السيارة التي من المفترض أن يكون السائق حمدان موجود بها......لم يجده في السيارة... ويمكن هذا كان لأول مرة منذ فترة طويلة.... اين ذهب .. ولم يخبر السيد ربيع........... لماذا لم يقل له .... كان بالإمكان أن يقول له أن لدية ما يمكن أن يشغله عن عمله.....ولا مانع ان يذهب...
انتظر السيد ربيع بجانب السيارة أكثر من ربع ساعة... حتى أنه أشار لإحدى سيارات التاكسي وهمّ بالركوب بعد أن ملّ الوقوف بجانب السيارة....فجأة .....وإذا بالسيد حمدان يأتي من بين السيارات وينادي على السيد ربيع ....ويركبا سوياً في السيارة.
كانت ملامح وجهه تخبر عن شر مستطير وفي وجهه عبوسة شديدة .. بالإضافة إلى التعب الذي يظهر عليه من جراء ذلك المشوار الذي عاد.....منه.
- مالك...؟.........(قال ذلك السيد ربيع الصافي)
- قليل الحياء.
- من هو.......؟
- لا أبداً........ خليك.... لا تشغل بالك .
- من هو الذي قليل حياء.......؟
- واحد ما يستحي بعيد عنك.
- أيش اللي فيك.... كل أوضاعك ما تطمن......؟
- خليها على الله.
- يارجل أخبرني.....أنا مثل أخوك...
- وأعز .......بس لا تشغل بالك.
- أوقف السيارة.........قل لي الموضوع.......أنت الآن أربشتني.
- زوج بنتي.
- أيش فيه.....؟
- طلقها........والمسكينة من البارح وهي تحاول تتصل بنا وهو قاطع عنها التلفون.
- وكيف عرفت ..؟
- ارسلت لي ولد الجيران...
- وأين هي الآن.....؟
- قلت لها....: أنا بعد قليل أجي آخذك.
- ليش بعد قليل....هالحين ....نروح أنا وأنت ونوديها البيت وبعدين توديني باب مكة أو أنا آخذ تاكسي وأنت تروح توديها بالسيارة.
- لا يا رجل........إذا أوصلتك .....بعدين أروح اجي بها.
- لا ...أبداً ..... اولاً تأخذ البنت وبعدين.. توديني باب مكة ........يالله...
- توكلنا على الله
وصلا إلى البنت وكانت في حالة سيئة .....كانت تبكي.... فالمسكينة لم يتم على زواجها أكثر من سبعة أشهر لكنها كما قالت لم تعد تحتمل الحياة معه......بل ترى أن الموت أهون لها ........كان سيء الطباع والأخلاق....... ومنذ فترة والحياة في بيتها لم تعد تطاق وأصبحت تريد الفكاك منه بإي طريقة.
أخذاها في السيارة مع شنطتين كانت كل ما خرجت به من تلك الشقة التي ترى أنها كانت عنوان النكد والشؤم وأوصلها أبوها إلى البيت ثم عاد وأوصل السيد ربيع الصافي إلى بيته.
لم يناقش السيد حمدان الدواس إبنته عن سبب طلاقها إلا بعد فترة لكنه بعد ذلك.فهم منها أن هذا الرجل لا يمكن لأي امرأة أن تعيش معه .........حسب ما قالته له ابنته..... وأنه بعيدا كل البعد عن تحمل المسئولية..... وعمّا يمكن أن يتم معه بناء أسرة أو استقرار عائلي..... فقد كان لا يأتي بيته إلا نادرا بل كان يغيب باليومين والثلاثة الأيام عن بيته وأهله حتى اهلكها الجوع ...... وأغلب الأيام لا يأتي الا وهو مخمور...و لك ان تقيس حال الحياة التي تحكم جو البيت بعد ذلك .

كانت الدنيا ضيقة في عين روعة بعد أن عادت إلى بيت ابيها..... لقد ضاع الحلم الذي كانت تبني عليه حكايات الصبا..... لقد تطلقت من زوجها الذي لم تر معه أي يوم سعيد..أو ترى إنها عاشت معه كزوجة يحترم مشاعرها او حتى يحسسها بإنها شريكة حياته ....
لم تكن تعتقد أن الزمان مستعجل على إنهاء ذلك الحلم سريعا لكنها الاقدار ........نعم الأقدار. وهذا قدرها ...
جلست في غرفة نومها .التي خرجت منها قبل فترة في بيت والدها واخذت تتفقدها ......... لم يعد ذلك السرير الذي تركته موجودا فنامت على الأرض.... كانت تفكر وترى أنها عادت إلى غرفتها مجبرة وليس ذلك بيدها ربما أن والديها قد اخرجا السرير إلى مستودع السطوح او تصدقا به...........كانت ترى أن حفاوة أمها وأبوها لها عندعودتها.
نوع من تضميد جراحها فهما يعلمان حقيقةً... كم هي المعاناة التي كانت تعانيها عند زوجها قبل طلاقها.....
ويعلمان أنها حاولت هي بكل الطرق ان تصلح من سلوكه لكنها وجدت أن ذلك من المستحيل... فقد أدخلت في عش زوجية مرعب جدا بل كانت تراه جحر لا يعيش فيه الا ثعبان يكره ان يرى الحياة تدب على ظهر الأرض..... نعم انه ذلك الشخص الذي لا ينتمي إلى أي طبقه من أشكال الإنسانية بل كان خليط من الغرور واللامبالاة بالإضافة إلى سوء الطباع والأخلاق .
قامت على شناطها وأخذت تقلب ما بها من اللبس وبقايا حلي لم تلبس منها إلا القليل... .ولم تجد فيه ما يسحب ذاكرتها إلى ساعات غالية على قلبها ولم يذكرها بليال حلوة او جلسات ممتعة طيلة الأيام التي قضتها مع زوجها حسان.....بل بدأت تشعر بالحرية التي افتدقتها منذ زواجها منه..... نعم إنها حلاوة الروح ... إنه عيد التخلص من القيود والحبس النفسي الثقيل على كل جوارحها ومقدرتها الحسية ...
كانت ترى أنها قد أطلقت من عقال ..قد قيدت به فترة من الزمن لم تكن فيه محسوبة على الاقدار إلا كمثل متاع اشتراه صاحبه وبعد فترة لم يكن بحاجة إليه ثم ركنه على الرف لا يستعمله.. وربما أنه ندم على شرائه .
(4)
مضت فترة العدة على روعة بعد طلاقها وكان السيد ربيع يحدث نفسه بالزواج بعد أن كبرت زوجته وأصبحت مقعدة وهو يحتاج إلى زوجة تقوم به وبزوجته.
كانت روعة هي محطة أفكاره التي دائما تقف عندها هواجسه ......لكنه كان يرى أن فارق السن بينه وبينها كبيرا وقد لايكون هو الزوج الذي تحلم به تلك الفتاة فترفضه .
لكنه قرر أن يتخلص من ذلك الوهم إما بالقبول أو الرفض ولعل الله لا يخيّب ظنه فيها وفي أبيها.

بعد أن وصل إلى المكتب في يوم من الأيام لم يجلس في مكتبه أكثر من ساعة وأخبر عائلته أنه ربما يتأخر عليهم في ذلك اليوم... وأستدعى السائق حمدان وقال له.
- أنا تعبان نفسيا....وأريد أن أذهب إلى مكان بعيد يمكن نطلع الطائف ..... وربما نجلس نتغدى هناك ونغيّر جو......وأول شيء غير زيت السيارة وعبيها بنزين وخلينا نمشي بعد قليل... وأخبر اهلك بذلك حتى ما ينتظروك .
- أبشر.....بعد ساعة أن شاء الله.والسيارة تكون جاهزة .....
وفعلا.ذهبا إلى الطائف.
كان الوقت بعد صلاة الظهر .....اختار السيد ربيع إحدى المطاعم الفخمة في مدينة الطائف ونزلا بها.....وبعد الغداء خرجا إلى المتنزهات القريبة من جبل الهدى......وأخرج السيد حمدان فراشا كان في السيارة وبعض الفواكه والعصيرات احضراها من الباعة المنتشرين على أرصفة الطريق المؤدي إلى الهدى ... وجلسا في ربوة جميلة تحت أشجار العرعر الذي يغطي المنطقة ...... كانت رائحة شجيرات الظرم والسذاب وأعشاب الصخبر تنتشر في الأجواء المحيطة بهما ...
كان محور الحديث في البداية عن الجو والطبيعة وبعد أن طابت الجلسة وظهر تأثير ذلك الجو اللطيف على النفوس... بدأ السيد ربيع حديثه.
- يا أخ حمدان أنا وأنت اخوة منذ زمن..... والحقيقة أنني أريد ان أتزوج..... فأنت تعلم أن زوجتي مقعدة وأنا احتاج إلى زوجة تقوم بي وبها....وأولادي قد شاورتهم في هذا الأمر.....لكنني في حيرة من أمري.... فأنا أخاف أن أدخل تجربة فاشلة.... وأنا وأنت نعرف بعضنا من أكثر من عشر سنوات..... وأنت ستبقى الأخ والصديق... فلا يعني أنني أستغل وضعك .لكنني أرتاح معك وأريد أن يبقى بيننا رابط قوي إلى أخر أيام العمر.
- بإذن الله.
- فأنا أقول يعني ..... إذا تتشاور أنت وأهلك وأبنتك .... إذا توافقون على زواجي منها... فأنا سوف أعوضها عن الأيام الصعبة التي مرت بها.....صحيح أن فارق السن بيني وبينها قد يكون كبير..لكنني لن أنسى ذلك وستكون في حياتي كل شيء.
- وزوجتك....؟
- زوجتي بنت حلال وهي موافقة وأبداً ما يجيها من زوجتي إلا كل علم طيب.
- وأين تسكن....؟
- تسكن معنا في البيت الكبير فزوجتي طيبة والأفضل أن نعيش مع بعض .
- وإذا ما حصل اتفاق بينهما....؟
- يا سيدي إذا ماحصل اتفاق.....انا اشتري لها بيت ثاني......بس أنا متأكد أنها سوف تكون مبسوطة مع ام عصام .
- (خلينا صريحين)...... يعني بنتي بتكون زي الخدامة لك أنت وزوجتك.؟
- لا يا سيدي.......إلا هاذي.....الخدم موجودين في البيت وبنتك سوف تكون ست البيت......يعني الآمرة الناهية ... ولا يكون هذا الكلام في بالك بالمرّة.
- أشاور.....
- وثق تماما أنك ستبقى الأخ الصديق حتى لو ما صار نصيب.
- يا سيدي الله يديم المعروف.
- إذا توكلنا على الله......خلينا ننزل جدة......وأنت شاور وأديني خبر وحاول ما تطول الله يوفقك ......
- توكل على الله....

(5)
ذهب حامد يمشي متجها الى جهة البحر وكانت لا تزال صورة صاحب العمارة الجديدة بين أجفانه كلما أطبقها ........ثم يتذكر انه اتى من وادي فاطمة ولابد انه سمع ما نعته به ذلك اللئيم وأكيد سوف تأتي امي رمزية وخالد للبحث عني لكنني لن اعود الى هناك وليرزقني الله بعيداً عنهم ......... كان يتمنى أن ينغمس في الأرض حتى لا يسمع أي خبر عن الناس الذين عاش طفولته معهم .... انه يحس بانقباض قلبه كلما استرجع ذلك الموقف ..
أخذ يمشي لا شعوريا إلى أي مكان يمكن أن يبعده عن ذلك المكان الذي سمع فيه تلك الكلمات الموجعة ...... بقي على ذلك أكثر من أسبوع لا يقرّ به المطاف في أي مكان إلاّ ذلك المقهى القريب من البحر الذي عادة ينام فيه على احد الاسرة بأجرة قليلة ..... كان في اوقات النهار في جدة لا يلوي على شئ ولا يدري الى أين يذهب .... ساقته الأقدار إلى مكان في أطراف سوق السمك وبقي هناك... أعجبه النظر إلى أصناف السمك عندما يعرضها الصيادون القادمون من البحر....
.كان في جيبه أكثر من ثلاثة آلاف ريال جمعها أيام العمل في الحراسة... وكان حريص على أن لا يصرف منها إلا القليل وكان خائفاً عليها من السرقة.. .... لذلك فقد حزمها على بطنه وغدى يتحسسها في كل ساعة....
لقد بدأ جسمه ناحلاً وهزال الجوع ومواجعه تنطق من ملامح وجهه وتراخت عضلاته... وغدت كاوراق مبللة ..... ومن الطبيعي أنه لا يلقي بجثته على ذلك السرير الذي اعتاد النوم عليه إلا ويغلبه النوم ...... فجسمه قد أنهكه المسير طوال النهار ...
وذات يوم وعند الفجر استيقظ مبكراً …ساقته قدماه الى حراج السمك كانت المنطقة تلج بأصوات المراكب والبحارة اللذين قدموا من البحر بما يحملونه من أسماك ..... وقف ينظر إليهم.... زلقت رجله فاتسخت ثيابه…. غسلها بماء البحر و بقي يتفرج ....
كانت طيور النورس تملأ الأفق..... والكل يعمل ..... في هذه المنطقه.... هناك غير بعيد من يقوم بإصلاح مراكب مكسورة وبعضها يبدو أنه مهجور منذ مدة..... وهناك من يقوم بتركيب المكينة التي تدفع المركب إلى البحر..... وكأن ما حول سوق السمك ورشة عمل.... والناس يذهبون ويعودون بين البحر والبنقلة ...كان يفكر في هؤلاء..... ويرى أن هذا المكان هو الذي سيتقبله للعمل فيه..... فهنا لا أحد يسأل من أنت... ولا من يقول له أنه أبن حرام ....نعم هذا مكانه .....لكن كيف ..؟ ليس لديه قارب ولا يعرف كيف يصيد السمك الذي لم يعرفه أيضاً في حياته إلاّ هذه المرة ..
هولاء الصيادين اتوا من البحر.. وكلا منهم قد عاد . ومعه كمية من السمك ثم يتجه بها إلى محل حراج السمك ويبيعها ويقبض ثمنها ثم يذهب .
كان هناك رجلا يهم بالنزول من قاربه ولديه كمية كبيرة من السمك ولكنه بدأ عليه أنه لا يقدر على حملها فالتفت إليه وقال :
- تعال........ ساعدني .
- أنا .. (قال حامد).
- نعم أنت .......لا أستطيع حمله .... ساعدني ...
فأتجه إليه وحمل معه حتى وصل معه إلى محل الحراج وأنزله معه وانصرف .
وفي اليوم التالي ..وعندما كان جالساً في مكانه.أتى نفس الرجل وقال :
- تعال ....تقدر تساعدني .
فأتجه إليه وحمل عنه وعند ذلك سأله الرجل ..
- أنت ما عندك شغل .؟
- لا ما عندي .
- تشتغل معنا.؟
- أيش أشتغل .؟
- نصيد سمك ونبيعه .
- ما عندي قارب.....
- وأنا ماعندي.... أنا أشتغل مع شيخ السماكين . إذا كان ودك تشتغل معنا .. تعال عنده وأنا أكلمه وأنت ماشاء الله نشيط وتقدر تشتغل ....
- أيوه .....أبغى اشتغل.
- تعال .
دخل معه عند رجل جالس في غرفة في طرف سوق السمك .وقال له ..:
- يا أبو اسعد هذا الشاب ماعنده شغل...... وأنحن نحتاج لمن يساعدنا وهذا أحسن من غيره والولد حبيب وممتاز ونشيط ....
- أنت تعرفه .
- أيوه أعرفه ....أتركه معي وأنا أعلمه .
- أنت من فين يا ولد ...قال ذلك شيخ السماكين ....؟
- أنا من جدة ...
- أبوك فين ..؟
- أبوي مريض وأنا اللي أصرف على أخواني .
- الشغل لدينا في البحر صعب .
- ياعمي ..الله يعين .
- با عطيك في الشهر 300 ريال.....زي ما يأخذون العمال .
- وما فيه زيادة ......؟
- إذا شفناك ممتاز نزيدك بعدين ..
- والسكن .....؟
- أسكن مع العمال ..
- أنا موافق.
- خلاص..... خذه يابو حسين .... ودربه على الشغل .........
كان عمدة السماكين ذا وجه عريض يغلب عليه اللون الأسمر وكأن الشمس قد صقلته بلون الأرض ذا شوارب بيضاء كثيفة ممتدة الى أطراف عارضيه والحقيقة أن شكله مخيف....... لكن عندما عرفه حامد على حقيقته .. كان الرجل الرحيم الممتاز الذي يفرض إحترامه على من حوله ....
أخذه ذلك الرجل وأخذ يدربه على العمل حتى أصبح من أفضل العاملين عند شيخ السماكين.
كان يركب مركب الصيد ويسري ليلته في البحر ولا يعود ألا وشباكه ملأى بالسمك وكانت كل رحلة أفضل من التي قبلها .
كان عندما يركب الزورق..... يسمع مثل الناقوس ..يردد عليه ما قاله ذلك الغلام... فيعتصر قلبه وتسري في أعصابه حرارة لا شعورية تشعل في جسده ألماً لا يقدر على تحمله... فيحاول ان يدخل داخل البحر هربا من ذلك الطارق... ومن ثم يرزقه الله كلما ذهب بعيداّ حتى تمتلئ شباكه...
كان حظيظاً جدا كما كان يقول أبو أسعد .... فإن وقف في الحراج باع بأغلى سعر..... وان جلس بين الباعة باع بضاعته قبلهم.... وبسعر أفضل منهم .. وإن دخل البحر اتى بشباكه ملأى ..حتى صار بالنسبة للسيد أبو اسعد يده اليمنى.
وجد عند أبو أسعد التقدير والعرفان لما يقوم به فازداد إخلاصا لعمله ولصاحب العمل...... ومضى على ذلك أكثر من خمس سنوات حتى أصبح من أصحاب البسطات في سوق السمك وقرر شيخ السماكين ان يفتح باسمه محلا جديدا بين محلات البيع المفرق وأدخله شريكاً معه مستنيرا بحظه كما يقول ( إنه الشخص الذي لو باع الحصى لكسب فيها) ...
استوى عمره اكثر من خمس وعشرين عاماً لكنه لايحمل بطاقة ..وكان كل ما عنده صورة تلك الحفيظة التي تدل على إنه حامد بن مستور الجميل 0وسأله يوماً ابو اسعد ..
- أنت ما عندك بطاقة يا حامد..؟
- لا ما عندي .
- عندك صورة من حفيظة ابوك اليس كذلك..؟
- أيوه عندي.
- انا بكرة ارسلك على واحد في الاحوال المدنية اسمه جابر وتقول له أنا مرسول من عند شيخ السماكين ابو اسعد0وهو سوف يساعدك0
وفي اليوم التالي ذهب إلى السيد جابرواخبره انه مرسول من عند ابو أسعد .....ولم يخرج ذلك اليوم من الأحوال المدنية إلا وقد حمل بطاقة مستقلة..... وعندها شعر ان خيبة الأمل التي استظل تحتها فترة من الزمن قد بدأت تتمزق وأن الله لن يضيعه ..
(6)
تخطى حامد الخامسة والعشرين من عمره وكان كلما فكر بالزواج يقابله رفض ترددي يجاوبه من داخله أن لا يتزوج او حتى لا يعرض نفسه لمن يسأله عن اهله وذويه .. 00 كانيدرك منذ خروجه من بيت أمه رمزية ...أنه وُلِد في زقاق او طريق ترابي وسخ قاسي ... ربما تركته أمه هناك وذهبت لتعيش حياتها وكأنها لم تعمل شيئاً... تركته هكذا ليلتقطه إنسان أو كلب أو يموت جوعاً وعطشاً المهم أنها تخلصت من ذلك الحمل القذر الذي كانت تنوء بحمله.. تلبسته في ساعة شيطانية قذرة ....
لم يكن لديه الشعوربالاستقرار. فكان مزيجاً من الأوهام التي تطير به خارج حدود مساحة الأرض،. يحس انه بعيداً عن كل شيء. ثم يقول لنفسه ...:
· أنا من سيرضى يزوجني ابنته ..
· إنني ابن حرام ...
· جزى الله خيراً ذلك الرجل الذي ألحقني بنسبه ...
· لكنني يجب أن ابتعد عن كل مايعيدني إلى تلك المعاناة التي عشتها تلك الفترة .
· أي عائلة لن ترضى أن تزوج.. ابنتها إلى ابن حرام ..
· لكن هذا الأمر لم يكن لي ذنب فيه..
· إنه ذنب أمي ......وحتى أبي ..
· هل أمي تعيش من دون قلب ..
· أين قلب الأم الذي كنت أقرأ عنه في المدرسة ..
· أين الصدر الحنون كما يقال ..ربما أن أمي لم تكن مثل بقية الأمهات ..
· لقد تركتني على قارعة الطريق ...ربما ..
· ما ذنب أي إنسان مثلي... ولماذا يحمله المجتمع ذنب لم يقترفه.... إنه ذنب أبوه وأمه .......لكنه يبقى الخطيئة التي لا يغفرها الوقت 0
أحيانا أخرى يقول : هل هو لوحده خطيئة ...؟؟؟ ........
كم من أناس اتوا إلى الحياة نتيجة الخطيئة... هم أيضا أبناء حرام.... لكن الله قد سترهم وستر أمهاتهم فلم يكونوا مثله ...
نعم .....كم في الدنيا من خطيئة.... كم من مولود ولد في غير بيت أبوه الحقيقي.... ولم يتخلصوا منه ولم يرم به على قارعة الطريق مثله خوفا من العار...... والحقيقة أن العار ما قام به والديه اللذين حركتهم الغريزة حتى سكروا فلم يردعهم عن ذلك دين أو شعور بما قد ينتج عن ذلك....... نعم كم من بيت يغلق أبوابه على بيض فاسد....
· لا .....ربما أن امي قد ماتت وربما يكون أبي قد مات أيضا...
· هذا قدري وكفى ..
· جئت هكذا إلى الدنيا ......كل الوجود غضبان عليّ ...انني منبوذ... ليس لي أي نوع من الارتباطات البشرية...
· الأرض ومن عليها00 ترفضني ... ليس على وجه الأرض ما يدعوني لحب الحياة .
· الكل يتبرأ مني ...إنني قطعة لحم متسخة... قذرة...... جيفة 00من يقبل الجيفة...؟
· الراحة ...في ترك الزواج نهائياً .. لكن تفكيره لا يكف... فكل محجوب مرغوب..
· رغم أن عمره لم يكن كبيراً.... إلا أن دوافع الرفض كانت تدفعه إلى التفكير في الزواج ...يريد أن ينتمي إلى هذه الطبيعة 00إلى جنس بشري يقبل به ....إلى أي صنف من أصناف بني آدم... حتى وإن كانت هذه الفصيلة من اناس بدون جنسية ... وعند ذلك وقف به تفكيره ...
من كثرة ما أرهقه هذا التفكير...... أصبح بالنسبة له مثل الحادي الذي يطرق قفاه في كل ليلة 00عندما يأوي إلى فراشه ... لكن يقابله طارق اقوى منه يرمي بكل أحلامه بعيداً ......انت ابن حرام..
كان تعبه طول نهاره وجزء من الليل لا يشفع له بقليل من الراحة يستدفئ بها من عناء البرد الذي يقابله في جوفه من هذا الطارق المتعب....... كثيرا ما كان يقوم من فراشه ويقف بجانب شباك في غرفته...... يطل على زقاق ضيق بجانب سكنه عندما كان يسكن في غرفته بين العمال الذين يعملون مع أبو أسعد .......
كان يراقب المارة ويحدث نفسه ...
كل هذه الشبابيك في العمارات الشاهقة خلف هذه البيوت الشعبية وحتى في البيوت الشعبية عبارة عن أسر متجمعة حول أم وأب وإخوة وأخوات إلا أنا....
أنا لست مثل غيري .... وقد لا اكون من هذا البلد .. ربما ان اهلي من بلد آخر وقد تركوني لكي أحصل على جنسية هذا البلد ..... إن كان هذا الأمر حقاً فقد حصل لهما ما أرادا لي ....لكن امي كيف رمتيني في الشارع وذهبت بهذه الطريقة ..... ربما يكون ذلك بسبب الفقر وقد تركتني ثم أوكلتني للرعاية الألاهية..... ربما حتى ساقتني القدرة إلى أمي رمزية........ جزاها الله خير ..
ربما ان أمي قد تزوجت من رجل تركها وذهب ولم تستطيع عند ذلك إثبات نسبي فكرهت أن أكبر ثم اسألها من هو أبي ولا تجد ماتقنعني به .... ربما ... كل شيء ممكن .....لكن ألم يكن لي أعمام أو أخوال يساعدونها في ذلك..؟....... لا ادري .... ربما ان أمي قد أتت من بلد بعيد للحج ثم قابلت والدي الذي لم تعرفه إلا فترة قصيرة ثم تزوجها حتى حملت وتركها هنا في جدة ..... ويمكن أنها لم تعرف عنوانه او ربما لم يخبرها حتى بأسمه الحقيقي وقد يكون زواجا عرفياً على ورقة من الشارع ولم يكن عليه شهود ثم تركها تواجه معاناتها والحمل والولادة والرضاعة وبعد أن أكملت مدة الرضاعة عادت إلى بلدها بعد أن ربطت على قلبها حجرا ... ثم وضعتني عند باب المدرسة .... قد يكون هذا هو أقرب الاحتمالات....

(7)
اصبحت أحوال حامد المادية جيدة وكان صاحب المحل الذي يعمل فيه دائما معجب بشطارته وكذلك ملاطفته للزبائن حتى أصبح كل شئ بالنسبة لزبائن المحل 0 سأله يوم من الأيام ...
- حامد .....مايطري عليك الزواج .
- لا ....لا أريد الزواج .
- ليش.....
- كذا .....مالي رغبه في الزواج ... الزواج يحتاج إلى بيت وسيارة وأنا لا أستطيع الآن .
- أنت برضه أحوالك طيبة ...قول يارب لك الحمد..انت أحسن من غيرك .
- الحمد لله على كل حال .
- إذا كان عذرك كما قلت فانا لا أصدق.... أنت مبسوط وتقدر تأثث بيت وتسكن فيه وتقدر كمان تشتري لك سيارة.
- أنا أصلاً ....ما اعرف أسوق سيارة .
- ياعمي تعلم.... كل الناس تعلموا ........وصاروا يسوقون سيارات .
- ماعندي وقت حتى أتعلم ...أنت شايف زحمة العمل .
- هذا ماهو عذر ...الوقت الذي ترى انك تريد الذهاب لتتعلم قيادة السيارة فلا تتردد...انت لازم لك سيارة........ من الأسبوع القادم تروح وتتعلم السواقة يابويه..... لازم تتعلم...
- خليها بظروفها .. .
كانت عبارات أبو أسعد استطراد للهاجس الذي يلازم حامد من ناحية الزواج....... وهو على حق وموافق معه على كل أمر من الأمور التي ذكرها ..انما العقبة التي يراها دائما في وجهة نظره .. ..هي ..من هي العروس .؟. يرى أن كل سكان جده على كبر مساحتها يعلمون ...انه (............).....لا حول ولا قوة إلا بالله 000وأن كل سكان جدة أيضا لن يقبلوه000
مرت أكثر من سنة على كلام صاحب المحل له فعاوده الكلام مرة ثانية:
- أنت الآن ماشاء الله تعرف تسوق السيارة وصار معك سيارة لك ....فهل تنوي الزواج الآن ؟
- يابن الحلال 00أنا لا أريد الزواج ....
- لا ....لا ..انا لن أتركك هذه المرة ..حتى اعرف وش مصيبتك.......يابويه أنت صرت زي ولدي ...أعلمني ....إنت ماتبغى الزواج ليش ؟
- قلت لك مسؤلية وأنا ماني فاضي ....
- إلى متى .......؟... العمر يمضي ....
- يمضي ...أنا لست مستعجل.......
- هل فيه واحدة أنت تريدها أو تنتظرها ؟
- لا أبدا ........
- هل حاطط عينك على بنت من قرايبك .......؟
- لا أبدا ... أنا ماعندي أقارب.........قد قلت لك ....
- تريدني أبحث معاك ؟
- لا.....أنا بعدين أشوف ..
- تعال اجلس ...
....جلس حامد مع أبو اسعد على طرف المشاية المنبثقة من محل بيع السمك.... كان الوقت بعد صلاة المغرب ....طلب أبو أسعد من صاحب الكشك الذي يبيع الشاي كوبين من الشاي وجلسا على حافة المشاية ...ثم قال أبو أسعد ...
- أنت إيش قصتك ..اخبرني ..؟.........أنا أريد مساعدتك ..
- لا قصة ولاشئ... أنا لا أريد الزواج الآن ..
- ...طيب ليش ..
- كذا ....ماعندي فلوس..
- إلا هذي ......أنا أعرفك تماما أنت مبسوط....وفيه عائلات لا يطلبون مهر كثير ....فيه ناس يدورون الستر ...
- يعني كم يكلف الزواج.....؟
- فيه بعض الناس يدفعون من جيوبهم ...
- وفيه ناس يطلبون مهر غالي ...وانا وحيد..... وربما ادفع ما عندي من فلوس ولا أتوفق في زوجة طيبة......... وأكون بذلك خسرت كل شئ ..
- الناس اللي يطلبون مهر غالي لا تروح لهم...... فيه ناس كما يقول المثل يعين ويعاون ...
- ممكن ..
- أنا أعرف لك ناس من هذا النوع.........وهم ناس أغنياء وممتازين وإذا تبغاني اكلمهم 00فأنا ماعندي مانع ..
- مثل مين....؟
- فيه كثير ...انت إذا نويت أترك لي الموضوع ..
- وبعد ذلك يقولوا لي جيب أهلك وجيب أبوك وأمك ...وانا ما عندي أهل كلهم ماتوا في سيارة واحدة ..
- طيب أعمامك ..اخوالك ..خليهم يجون ..
- لا أريد أن أذهب إليهم ولا حتى يعرفوا أنني على قيد الحياة هم الان يحسبون إنني مت مع اهلي ..
- طيب....... ليش ..
- كذا...هذا طبعي...
- أنت مسوي مصيبة...
- أنا عندك لي سنين تعرفني جيدا....
- طيب .....ياسيدي ....اذا قالو لك أهلك أنا أجي معك....
- بعدين يكتشفوا ذلك بعد الزواج...وأبقى في نظرهم كذاب إلى يوم الدين.
- حسبي الله ونعم الوكيل...... والحل الذي تريده ..ايش هوه..
- الحل ...أن يقبلوني شخص مقطوع من شجرة ...كذا...على صدق...من أولها ...ثم إذا حبيت أنا اعرّفهم بأقاربي بعدين ..هذا إذاحبيت أنا......بدون ما يطلبون مني ذلك ...
- أشوف .....وأشاور ....
- ايوه ...لازم الأمر يكون على نور من أول الموضوع...
- طيب يا سيدي أنا أبحــث الموضوع .. وأنت قول يارب وتوكل على الله ..
ولم يطول الوقت كثيراً بعد ذلك حتى استدعاه أبو أسعد وأعطاه عنوان بيت وأرسله إليه وقال :
تروح على هذا العنوان وتقول لهم أنا مرسول من عند أبو أسعد ......لكن قبل ما تروح تتصل على هذا التلفون...
وتسال عن صاحب البيت (أبو سمير) 00.....وبعدين تروح تقابله..
اخذ حامد رقم التلفون والعنوان واتصل بالبيت وحدد الموعد ثم ذهب على ميعاده ..
كان البيت عبارة عن فيلا متوسطة الحجم ...
ومنذ أن دخل من البوابة وجد في نفسه أن سكان هذه الفيلا من علية القوم..
استقبله أبو سمير أمام البوابة الرئيسية واصطحب حامد إلى الداخل ...كانت الطرقة من البوابة إلى البيت مزروعة بأنواع الورد وأشجار الزينة كما لمح بها عدد من السيارات الفخمة تحت مضلات قد وضعت في أطراف الفناء الداخلي ..
دخل إلى المجلس فإذا بين الأثاث ما ينبئك أن سكان هذه الفيلا أناس غير الطبقات التي قد شاهدها من قبل….. كانت الأرائك وألوان الجدران والتحف الموجودة هناك ..غير عادية ..
هناك صورة رجل مع شابين آخرين معلقة على جدار المجلس لاشك أن صاحب الصورة هو ذلك الرجل الذي فتح لي الباب أما الشابين فقد قال في نفسه ربما أنهم أولاده ...هناك قطعا من الرخام في أشكال هندسيه مختلفة موضوعه على طاولات التحف ..
كانت ألوانها جميلة ورائعة ..
تأكد لحامد أن البيت غير عادي ...
هناك صوره قبطان سفينة أو ضابط بحري بجانب الصورة الأولى فهو لا يعرف الرتب العسكرية ..
بدأ أبو سمير بالكلام وما قال له أبو اسعد وأبدى ترحيبه بضيفه الجديد ..وفي أثناء الكلام دخلت تلك الفتاة الجميلة جدا وبين يديها طبقا فيه إبريق الشاي وسلمت وجلست بجانب والدها .....
كانت فتاه جميلة جدا فتبعثرت حساباته كلها ...كان لا يشك أنها العروس لكن كان الموقف أقوى من أن يتحمله ..لم يجرؤ على الكلام ..بل خيم صمته في جدل نفسي لا يدري كيف يخرج منه .. ابتلع ريقه اكثر من مرّة….. التصق بالكرسي الذي يجلس عليه ..
هؤلاء الناس أهل مقام كبير …وأنا إن قلت لهم أي كلام عن أهلي أو غيره لابد ما يكتشفوا إني ابن حرام ….وربما يسجنوني ...او يقتلونني...
أنا لا استاهلها ..ولا استاهل أهلها....ثم اني اخاف منهم ..
كانت الفتاة جميلة….. إلى حد الإبداع ..
مؤدبة ....يظهر عليها أنها مثقفة ..
....كل ذلك لم يشفع لهذا الشاب أن يتكلم ...ساكت ينظر في فنجان الشاي الذي أمامه ..كاد أن يبكي ...
حاول صاحب البيت أن يفك صمته ……..وأخذ يتكلم معه عن تلك الصور المعلقة على الجدران...
هذا ابني توفيق ضابط بحري في سلاح الحدود ...وتلك الصورة ...لي أنا وهو وأخوه سامر ... الذي يدرس الطب في بريطانيا …..كل ذلك الكلام لم يزده من هذه العائلة إلاّ بعداً….. فقد تأكد له انه إن كذب عليهم ...أو ارتبط بهم فإنهم سيعرفون من هو عاجلا أو أجلا...ثم يتخلصوا منه بأي طريقة حتى لو ادى ذلك الى القتل ...
كان يرى من نظرات تلك الفتاة أنها قد قبلت به على علاته حتى وان كان أخرس ..لكنه رغم ماوجد ..لم يعد ينشد إلا السلامة ..لقد وجد نفسه في قفص من الخوف الذي يشده في كل الاتجاهات …..لم يعد عنده رَغبة في أيِّ شيء الحياةُوالموتُ سيّان.... تخثرت الكلمات في حلقه حاول أن يقول شيء ....لم تخرج من حنجرته كلمةٌ واحدة جمد في مكانه ....
ولم يعد يفكر سوى في الخروج من المنزل وفعلا شرب كوبين من الشاي وخرج لا يلوي على شئ 00
كان العرق يتصبب من جبينه وشعر رأسه ....كان يشعر بالخوف والقطيعة والإحباط 00كانت الدنيا اضيق في عينيه من خرم الإبرة ...
وخرج واتجه إلى غرفة سكنه لا يلوي على شئ ..
لم يذهب إلى العمل في اليوم التالي ..
لم يكن في البيت الذي يسكن فيه تلفون لكي يستأذن من أبو أسعد .. لايستطيع الذهاب إلى المحل ...انّه يحس انه مرهق ..
خرج يمشي في الطرقات والشوارع لكي يحاول أن يخرج من صدره ما يكتنزه من هموم وآلام لا يستطيع حملها .....واخيراً ارتمى في ضل عمارة كانت بجانب البحر وترك لصدره حرية سحب ما يستطيعه من ذلك الهواء المشبع بالرطوبة لعله يرطب تلك الأفكار التي يحملها ويحس بثقلها على عقله….. وجسمه وحتى ملابسه ..
افتقده أبو أسعد فلم يذهب إلى المحل فأرسل من يبحث عنه فلم يجده في محل سكنه واتصل تلفونيا بأبو سمير وأخبره بما حصل عند زيارة حامد لهم في الليلة السابقة.....
قام حامد بعد صلاة الظهر من تحت تلك العمارة واتجه إلى شغله فوجد أبو اسعد قد اشتد غضبه واخذ يؤنبه ببعض العبارات إلا انه قد التزم الصمت فلم يرد عليه ولا بكلمة واحدة ....
قرر أبو اسعد أن يتركه بعض الوقت قبل أن يناقشه في زيارته لمنزل أبو سمير .. كما قرر حامد أيضا التزام الصمت قليلا قبل أن يخبره انه لا يريد الزواج من هذه الفتاة ... ولا يريد القرب من أهلها حتى لو وافقوا على زواجها منه بدون مهر….. كانت الكآبة مرسومة على وجهه…. وكان سارحاً ذاهلا ً...
كانت صورة الفتاة لا تفارق مخيلته …..كان يحب أن يراها مرة ثانية… لكن لا يريد الارتباط بها ...كان يردد في نفسه أنني لا استحقها …. ولعل الله يعوضها بإنسان يستطيع أن يسعدها ويكون أفضل مني ...
وبعد أسبوع تقريبا ...ساله أبو أسعد…..
- إن شاء الله انتهى موضوعك مع أبو سمير …؟
- إيه انتهى ....
- اتفقتم....؟
- لا....هي لا تصلح لي ...
- ليش ....؟
- كذا .....هي لا تصلح لي....
- هل رأيت فيها ما يعيب ....؟
- لا ...ابداً ...ناس طيبين جدا والبنت جميلة ومحترمة ...
- إذا أين المشكلة ....؟
- المشكلة فيّ أنا ...هي متعلمة وجميلة ...واخشى إني لا أستطيع أن أسعدها ولعل الله يوفقها في شخص أفضل مني ..
- وما المشكلة التي فيك ... اعلمني ؟
- لا استطيع ...اشعر أنهم فوق مستواي ..
- يابوي هاذولا حتى وان كانوا أغنياء... ناس محترمين ويعرفون مقدار صهرهم ويشيلوه على رؤوسهم ...
- أنا ماقلت فيهم شئ ...المشكلة عندي أنا وخلاص .....
- طيب ليش جلست مبلّم قدامهم ...؟......ليش ماقلت لهم أي كلام وتتناقش معهم وتصارحهم بوضعك .......؟
- ماقدرت ..
- والنهاية ....؟
- أنا لا استطيع ان اتزوجها ...
- يابويه خل عندك ثقة في نفسك..... أنا أقول لأبوها وأنت ترجع لهم وهم خلاص بيزوجونك وحتى لو تبغى تسكن عندهم ...
- خليني أفكر ...
- مافيه تفكير ....انا قلت لأبوها الراجل كان عنده ظرف.. وانك موافق على الزواج وهم لن يكلفوك أي مبالغ كبيرة ...بل يقول أن البنت كانت مقتنعة تماما..
- يعني ايش ...
- يعني يابويه توكل على الله ....والله هذولا ناس طيبين وقلوبهم طيبة ..
- لا انا لا اريد ان اتزوج الآن... اترك لي وقت ... الله يخليك .. اعطني وقت ارتاح ... واغرورقت عيناه بالدمع حتى كاد ان يبكي ولاحظ ذلك ابو اسعد فقرر ان يترك له الحرية في ذلك وانصرف .... واتجه حامد الى مكان اعتاد ان يجلس فيه بجانب البحر ولسان حاله يردد ماقال الشاعر....
يابحر فيني من الحزن ..كثر مافيك من حزن واوجاع وغياب وغرائب

لا تلومني لا شفتني دايم اجيك ولاشفتني دايم على الشط ذايب

حزني كبير..أكبر من حدود شاطيك وأقسى من جروح الزمان العطايب

لا تقول لي بدري وتوك ويمديك ولا تنشد اللي غاب وين انت غايب

وان شفتني غايب عن حدود شاطيك اعرف تراني تحت ذيك النصايب

واعرف تراني دايم إن ضقت بآجيك لأني أنا والموج صرنا حبايب

وبقي طرف البحر وهناك ذرف كثيرا ً من الدموع التي اعتاد على سكبها

ليمزجها بماء البحر الذي يرى انّه الوحيد الذي يفهمه....


(8)
وقف خالد ابن الجيران لمستور الجميل في سوق السمك ... كان يتنقل بين المحلات والمباسط ... يساوم هذا ويتفرج في أنواع السمك وأشكاله المختلفة .... كان في طرف السوق ما يشبه الحراج ... اتجه إليه .... كان الناس متجمعين حول شخص يبدو انه المسئول عن ذلك الحراج وهو يقدم ويؤخر ويعطي هذا ويقبض فلوس من هذا فاقترب منه ......... كانت المفاجأة ..... إنه حامد ... نعم ....(حامد مستور الجميل) ...... واخذ يحدث نفسه ....(هل هذا حامد الذي هرب ...الله ...كم أنا مشتاق إليه)0.....يارب ..... اتجه إلى بعض الواقفين في الزحام وسأله :
- ما اسم هذا الولد الذي يحرج على السمك ....؟
- اسمه حامد...
- حامد ابن مين ..؟
- لا ادري ....
اقترب منه يتأكد منه .... نعم... والله انه هو ... هل اذهب اليه .....؟ نعم اذهب اليه .
أخذ يلوح له بيده حتى رآه وترك المكرفون ونزل إلى خالد وتعانقا ثم دخل به الى المكتب واسقاه عصيرا وتحدث معه بعض الوقت .. ثم انصرف خالد بعد أن اظمر حامد في نفسه أنه لن يبقى في مكان يعرفه فيه خالد او غيره ..من اهل القرية التي عاش طفولته فيها ..
أما خالد فقد قال في نفسه ..:...... يظهر لي أنه المسئول عن هذا الحراج ... الحمد لله انني وجدته .. اصبح مكانه معروفا ..... سوف ابلغ الضابط بذلك…. لابد ان اساهم في حل مشكلته…انني اخاف من الضابط وإلا لكنت قلت له لقد حذرني من ذلك.... الله ما اكرم القدر ... انه بخير ويظهر انه ذا كلمة في سوق السمك .... الله كم بود امه رمزية ان تراه ....... ياما انت كريم يارب ...... علي ان اتصل بالضابط فلديه القدرة على حل الموضوع بطريقته الخاصة وعلى الأقل.... اكون قد قمت بواجبي نحوه.... الله كم سيفرح اذا وجد عائلته وعرف انه ليس كما قال له ذلك الخبيث ( ابن حرام ) انا عليّ ان اساهم بجهدي.... إنني أريد أن يعود إلى أهله....... الله وحده يسامحني اذا بلغت الضابط بذلك .... لكني لا أريد إلا مصلحته ....يارب ...
خرج من السوق لايلوي على شئ فاتصل بالضابط..
- السلام عليكم ..
- وعليكم السلام ..
- أنا خالد جار مستور الجميل ...من وادي فاطمة انت الملازم فهد ....؟
- حياك الله ....
- أبشّرك لقيت حامد... الذي هرب من البيت .. حامد الذي فقد عند باب المدرسة وأتيت تبحث عنه عندنا في وادي فاطمة ..
- فين وجدته ...؟
- هو في سوق السمك..
- بكرة تقابلني ونذهب اليه سوياً..
- انا جاهز وقت ما تحب ..
- حتى لو تدلني عليه على الأقل..... انا ما اعرفه.
- طيب خلاص ..... بكرة نتقابل ..
وفي اليوم التالي حضر الملازم فهد مع معاونيه وخالد لكنه لم يجده..
كان حامد في اليوم الاول قد ذهب الى أبو أسعد وطلب منه تصفية حسابه فهو لا يريد البقاء في سوق السمك ساعة واحدة ورغم الحاح أبو أسعد على محاولة معرفة السبب إلا انه عجز عن ذلك .... وحرصاً على إرضاءه عرض عليه ان ينتقل ليستلم البقالة التي في باب مكة وعرض عليه أن يدخل معه شريكاً فوافق ..




(9)
بحث السيد جابر عن ابنه فوزي في كل مكان ... في اقسام الشرطة وفي مستشفيات جدة وفي المساجد فلم يعثر له على خبر....وتحولت زوجتة حليمة الى كتلة من الحزن حتى البسته البيت وأهله ....تحولت المرأة الى حزناً تنفطر منه القلوب ....ورغم وجود إخوته الثلاثةهاني وخوله وإبراهيم وهم اكبر منه جميعا......يملأون البيت إلا إنها قد التصقت بذلك الألم الذي يعتصر قلبها وجسدها في كل ساعة بل في كل ثانية.
بعد انقطاع الأمل في العثور على الولد وبعد البحث الذي قام به جابر بالإضافة إلى بحث الشرطة في كل مكان اقتنع أن الولد قد قتل أو خطف إلى خارج جدة وسلم أمره إلى الله......
لكن الأم لم تزل طيلة ايام عمرها الذي تحس انها تسحبه خلفها بعناء تعتقد انه سيعود ..........كيف ......؟..... هذا الذي لا تعرفه...
حاول جابر ان ينتقل إلى بيت آخر إلا ان زوجته رفضت بحجة ان فوزي ربما يعود الى الحارة فلا يجدهم ..
ومرت الأيام والسنين فاشترى بيت في حي الثغر وانتقل إليه وعاش هناك حياته الطبيعية.. كبروا اخوة فوزي وتزوجوا جميعاً وبقي جابر وزوجته حليمة في ذلك المنزل بمفردهما مما قرب مساحة الخلاف والزعل بينهما وغدت المشاكل بينهما تثيرها أبسط الأسباب... حتى سئم السيد جابر من الجلوس في البيت خوفا من زيادة المشاكل وغدى يسهر مع بعض الجيران والأصدقاء في المقهى الذي غدى لا يسلو عنه ليلة واحدة ... لقد خرج به كما يقول من النكد الذي كان يعيشه في البيت ..
أصبحت تلك السهرات هي الملاذ الوحيد الذي وجده في البداية
للتسلية لكنها غدت إدمان في حياته لايستطيع الإستغناء عنها....
كان يشعر دائما أن زوجته حليمة قتلت أنوثتها وأنها في حالة خرس عاطفي فهي لا تهتم بما يهتم به أقرانها .....بل يرى أنها سادية تحب الحزن دائما ..وتتخيل سيناريوهات حزينة ثم تصدقها... لذلك طلب منها أن تخلع رداء الحزن وتسلم الأمر لله وحده.... فالعشرة لاتهون.. ولا يريد أن يتزوج عليها.....
طلب منها مرات كثيرة ذلك تلميحاً وتصريحاً ..... كان يحاول إستجلاب أنوثتها ....لكنها سرعان ما تنطوي على أفكارها وتوهماتها التي انعكست فيما بعد على معاملته لها....
.... كان إذا هددها بالزواج يكون ردها جاهز دائماً... أتزوج يابن الحلال وفكنا من شرك ....




(10)
بعد شهر من طلاق روعة اخذت تبوح لوالديها ولمن حولها بما تكتنزه من مرارة ذاقتها خلال الفترة التي قضتها مع زوجها حسان وتقول .:
كانت مشكلتي إنني أعيش مع زوج جاف قاسي لا يعرف الرحمة ولا الرفق . لقد كان سيء إلى درجة لا يمكن لأي امرأة تحمله والعيش معه..
لا اذكر خلال فترة زواجي منه اننا جلسنا جلسة أسرية فيها من الحب أو الترابط مايجعلني أتذكر نعيمها أو متعتها ....أبداً...
إذ سرعان ما أفقت بعد أسبوع من زواجي على الحقيقة المرة حيث اكتشفت بكل ذهول إنني تزوجت العذاب بعينه 0
كنت أعلم ان هذه مشكلة لا يمكن حلها إلا بالطلاق..... ورغم كراهية الطلاق إلا إنه الرحمة التي جعلها الله للنساء مثلي حين تقع في قبضة مثل هذا الشاب الذي لا ينتمي إلى الإنسانية بأي علاقة...... بدا العذاب بعد أول اسبوع من الزواج ....حين بدا في التأخر ليلاً.. ويعود إليّ سكران..... يحادث الفتيات على تلفون المنزل دون أدني احترام لمشاعري ...أخيرا بدا يسئ معاملته لي بالألفاظ البذيئة وأحيانا بالضرب 0
أصبحت بعد ذلك امرأة جافة لا اقبله ولا أريد أن أراه أو اسمع حسه في البيت (فمن أين تأتي العاطفة وأنا منذ أن فارقت بيتنا لم أعرفها )0
لا يقدّر أي عمل أقوم به... متبلد الإحساس..... طبخت أم لم اطبخ..... نظفت أم لم أنظف.... كلها سواء ...وفوق كل ذلك لا يكف لسانه عن القدح والتجريح .. ثم تمادى حتى اصبح لا يدخل البيت إلا لتناول الطعام ....أو للنوم.... ولا يحق لي أن اطلب منه الخروج للنزهة... ولا يحق لي أن أتضجر.......... فأنا كما كان يردد دائما ( المرأة مكانها البيت)..
كنت ابغضه بغضاً لا أ ظنه سيزول أبدا..... وكان أملي الوحيد الذي أعيش لأجله هو الطلاق الذي أصبحت اطلبه منه صباحا ومساء ..
لقد حرمني من حب الحياة .... غديت امشي في البيت من غرفة إلى أخرى واحدث نفسي... وكأنني امشي على وجهي.... لقد مات في نفسي وجسدي كل نبض للحياة وأصبحت أتمنى الموت أحيانا ... نعم اتمنى الموت ..0
(11 )
عندما اخبرها والدها بخطبة ربيع الصافي لها كان لروعة رأي مخالف لما يريده أبوها... وكان ردها سريعا....::
إن الجرح لا يزال ينزف ....وانا التي كنت في السعير فاتركني قليلا ً .. أعطني على الأقل بعض الوقت ..استعيد فيها نوعا من حريتي التي احرقها الزمان مع حسان ..إن في مخيلتي أنني أريد أن انتقم من الدنيا وأهلها... اريد الانتقام من حسان قبل أن أتزوج...... انا لا أريد أن أدخل في جحيماً أخر فأنسى معه جحيمي الذي هربت منه...إنني أحس بجوع إلى الحرية .....أريد أن ارتاح من ألمي قليلا ..انها لحظة استراحة قد لا أجدها أمامي .... ارجوك يا أبي ..
- بل أنا متأكد انك سترتاحين مع ربيع الصافي وستكوني من اسعد نساء البلد ....
أنتي ..توكلي على الله ورب ضارة نافعة ..يمكن ان الله أراد بك خير... فأنا اعلم ان الله لن يضيعنا ..فنحن نعرف الله جيداً 0.....والله سبحانه دائما لا يضيع أجر من أحسن عملا ...
- أحسّ انّك تتسرع يا أبي 0......
- بل هكذا يجب ...أنت ستخرجين من الجو الذي وضعت فيه نفسك منذ أن تطلقت من حسان ....
- إنني أخشى أن يكون القادم أعظم ....
- على مسؤوليتي...
ـ لن أعصاك أبدا..... لكنني إنسانة أنهكتها الأيام المرّة التي عشتها خلال فترة زواجي الأول عصفت بكل شئ في قلبي 00لقد أفسدت كل احساسي ..... كل شيء في جسدي..... وحتى روحي لم أعد أقدر على تكوين أي نوع من العواطف والأحاسيس التي تدفع الإنسان إلى حب الحياة ..
كنت احسب أنك ستتركني حتى التقط أنفاسي قليلا وأتزوج بعد ذلك لمن أحس أنه أهل لان أكون شريكة حياته وأن اختاره بنفسي ...لكن على أي حال ..الزواج..نصيب ولعل الله أن يختار لي ...










(12)
تزوجت روعة وكان الفرح مختصرا على العائلتين تقريباً ومنذ دخولها إلى بيت السيد ربيع احست بانتقالها إلى عالم اخر........كان البيت كبيرا ونظيفا وواسعا به حديقة كبيرة وحولها مواقف للسيارات ..... بها بعض السيارات الفخمة التي لا يقتنيها الا علية القوم في ذلك الوقت .
دخلت الى المجلس فوجدت فيه زوجته وبنته وبنات اقاربه وزوجاتهم ....... كانت معقودة اللسان مبهوتة او مبهورة من البيت وساكنيه اللذين يبدو عليهم السكون والوقار .
ذهبت مباشرة إلى زوجته التي كانت ممددة على كرسي في أقصى المجلس وسلمت عليها ثم قبلت رأسها ثم أكملت تحيتها للموجودات وعادت وجلست على طرف الكرسي التي ترقد عليه زوجته سارة.
كانت روعة ....هي روعة بما تعنيه هذه الكلمة......... الجمال والحشمة والتقدير ...فكانت محل احترام الجميع وتقديرهم .....

كانت حارة السيد ربيع الصافي التي انتقلت إليها روعة (باب مكة ) حارة كلها حركة وأصوات لا تنقطع حتى وقت متأخر من الليل...... أما في الصباح فإن انبعاث الحياة إلى المدينة بكاملها ينطلق من تلك الحارة ....كان البيت قريب من ساحة باب مكة الرئيسية وهو المركز التجاري الناطق في مدينة جدة ..
..عندما استيقظت روعة من نومها في فجر أول ليلة من عرسها الجديد.... كان السيد ربيع الصافي قد ذهب إلى المسجد ....تحسست مكانه في الفراش فلم تجده ..قامت إلى سجادتها وصلّت صلاة الفجر ثم فتحت باب البيت ...شق الفجر خيوطه...نزلت إلى الحديقة أخذت تتأمل حديقة البيت.... كانت تلك الحديقة جميلة جدا ً.... الرطوبة لازالت تخنق المدينة ..هناك بعض الأرائك الخشبية الملبّسة بسجاجيد ناعمة جدا وهناك كرسي متحرك لا بد يكون للسيدة سارة... كانت الحديقة منظمة بعناية .....يغلب على نباتاتها الورد الجوري ..وهناك بعض شتلات الحنا والفل...... ثمّة ممراتٌ ضيقة تحوطهاأصص الورد والشجيرات الصغيرة.. سارت عبرها متعثرة..
بجانب تلك الأرائك كوزان كبيران لتبريد الماء (زير)وعدد من الشراب
( بكسر الشين ) وكاسات الفخار التي مكبوبة على غطائها الخشبي ..
بالقرب من ذلك نافورة قد ركبت وسط بركة زينت ارضيتها بالقيشاني..
كانت الحركة في الشارع الملاصق للبيت تنبئك عن أن هنا سوق يعج بالحركة منذ أن يعلن نور الصباح إنبثاق فجر يوم جديد..... كان في سور البيت عدد من المحلات التجارية تسمع بها الأصوات من داخل الحديقة .....
وقفت روعة وكأنها تستنطق الجدران وزهور الحديقة عن طبيعة الحياة في هذا المنزل الجديد ..
بين هذه وتلك عاد السيد ربيع من صلاة الفجر فوجدها في الحديقة...
- صباح الخير ...ايش جابك هنا الآن .؟.. إن شاء الله أعجبتك الحديقة ..
- أي والله ...إنها جميلة جدا ...
- أعجبتك الورود ..أليس كذلك ....
- نعم إنها جميلة..... أرى كل شيء جميل ايضاً ...
- اليوم زادت وردة جديدة في حديقتنا ........أكيد أنت لم ترينها.....
- أين هي .....؟
- لا يمكن أن ترينها بدون مرآة....
- (عرفت ماذا يقصد فابتسمت )....
- تعالي نطلع فوق.. اوّريك السوق ....
وأخذ بيدها وطلع بها إلى بلكونة غرفة نومهما التي تطل على الشارع .. ويرى منها حركة السوق وبحكم الكورنيش الخشبي الموجود في البلكونة( روشان ) فإن بإمكانه ان يرى السوق وما يدور فيه دون أن يراه أو يعرفه من في السوق ..
- هاذاك الدكان اللي مقابلنا بقالة ابو اسعد ..وهذا الدكان الثاني اللي جنبه دكان الحلاق محمود... والدكان الأخر... الجزار حسنين ..بعدين ياستي يجي بعدهم الفرن ..ثم العمارة الثانية فيها مطعم سمك وبعده القهوة ....شوفي السراير على السطوح ..لانه في الليل يطلعوا الزباين يجلسوا عالسطوح علشان الحر ...وفيه كراسي نوم للي يجون من خارج جدة ..فهم ينامون فيها ..اما الجانب الذي جهتنا ياستي فتحتنا أربعة محلات تجارية هي مؤجرة كلها لله ثم لنا ..... فيها دكانين لأبو إسماعيل بياع الفول... والثالث فيه علي اليماني يبيع فيه خضار وفاكهة .... أما الرابع ففيه الشيخ سالمين يبيع سمن وعسل وزيوت وحاجات البدو0 وهناك قريب مننا ياستي سوق البدو ..... وقدامنا هناك سوق العلوي...
كانت البلكونة كبيرة.... بإمكان الجالس في البلكونه أن يرى كل شئ ... لذلك كان السيد ربيع الصافي يشرح مايجري في الشارع لروعة وهو متأكد أنه لن يراها أحد غيره...
......الله أنا اشتم رائحة الفول عند أبو إسماعيل ......تحبين الفول.......؟؟
- بكيفك ....
- تحبين نفطر فول ....وننزل في الحديقة... هي ماهي حلوة في صباحية العروس تأكل فول لكن قولي لي اي شئ تحبي تفطري وأنا اجي به ....
- والله رائحة الفول مع السمن البلدي ..وصلت إلى هنا ..
- إذاً دقيقتين وأنا أجيب لك الفول بالسمن البلدي... مع الخبز التنوري وخلينا ننزل تحت في الجلسة اللي في الحديقة ....
إذا أنا أسوي الشاهي وأصحّي أم عصام ونخرج كلنا سوى ...
- تفتكرك الملائكة ...افتكرتي أم عصام ...بس أقول لك.....بعدين أبوك يقول فطرت بنتي فول في يوم صباحيتها..... أنا ياستي على كذا أباجيب لك هريسة وعلى الأقل اسلم من كلمة كذا وإلا كذا من أبوك الله يصبحه بالخير ... واهي الهريسة حلوة وانا كمان رايح آكل معاك هريسة .....
- خلاص توكل على الله...
- ايوه ..الله ياعم حمدان يصبحك بالخير.... هيا يا الله روحي فيّقي أم عصام وخلينا نفطر سوى ...وأنا أجيب الفطور ونقول ياكريم ..
رجعت روعة إلى الحديقة بعد أن أخذت السيدة سارة معها.... في تلك اللحظة ..دخل أبو عصام فشاهدهما على تلك الحالة ..فأرتاح أكثر وجلس معهما وأفطروا جميعا ً...
كان الصباح قد غسل المدينة من تعب الليل وظلمته 00قامت روعة إلى بزبوز الماء ففتحته في أحواض الورد.... كان صوت الماء وتدفقه في أحواض الحديقة يعزف أنغام سريان الحياة في كل أنحاء الحديقة ..0وكانت صباحيه العروس وعريسها من أجمل لحضات العمر.....


(13)
كانت سارة هادئة وقورة.... وربما حسبت أن تلك المعاملة الحسنة لها من روعة ربما تكون تمهيدا لإرضاء زوجها أو لإستجلاب التقدير لها..... غير ان روعة قد عقدت العزم على أن تبقى روعة دائماً....... وهكذا كانت مع كل أهل البيت ...
كانت تقول في نفسها ..:: لابد ان يروا في روعة ذلك الكائن اللطيف والشمعة التي تحترق لتضيئ طريق الآخرين...... لابد ان تلمس هذه المرأة منها الود الذي تستحقه إنها الكبيرة والقديرة التي يزداد حبها في قلبها يوما بعد يوم.... انها تريد أن تكون السرور الذي يسعدها والراحة التي تشعرها انها لازالت صاحبة البيت وكبيرة العائلة التي يحبها ويحترمها الجميع ..... لابد أن تحس بالأمان في يديها كلما مدتها إليها......
كان ربيع الصافي يلاحظ ذلك من روعة لكنه كان مثل زوجته يحسب أن ذلك بداية طيبة لا يعلم عن مدى استمرارها لكنه مرتاحاً لذلك .... إنه يرى أن اليوم الذي تعيش به مرتاحاً ..... فهو يوم عيد... والساعة التي تجدها في حياتك سعيدة. فالأولى أن تعيشها كاملة...
إنها ايام السعادة التي ينشدها في حياته .
أخبرته روعة في يوم من الأيام أنها حامل ولم تكن تخفي السعادة على كل من في البيت .فاحضروا لها الخادمات واستولى الفرح على البيت وساكنيه حتى وضعت مولودها الجديد..... فريد .. ثم أنجبت بعده ابنتها صدّيقة ..
كثيرا ما كانت روعة تقوم بتدليك الحاجة سارة بزيت الزيتون خصوصا الجانب الميت منها وذلك بناء على نصيحة الطبيب الذي كان يزورها بين وقت وآخر .
ومع قدرة الله سبحانه وتعالى أدّت تلك العملية إلى نتائج ملموسة فقد بدأت السيدة سارة تحرك أطراف يدها ورجلها بعد أن استولى عليها الشلل فترة طويلة.
دخل ربيع الصافي ذات يوم بعد عودته من الشركة على زوجته سارة في غرفتها .......فإذا هي قد استندت إلى ظهر الكرسي...... كانت تبكي .ثم جلس جانبها .
- مالك يا أم عصام....؟.
- لاشيء.
- لا.... انك تبيكن ......هذا البكاء لا يمكن أن يكون بدون سبب.... أنا أعرفك جيدا....زعلت من احد..؟......أكيد روعة.......لكنني أراها طيبة معاك.
- انني أبكي من الفرح ............
- من الفرح ....؟
- نعم الفرح ........انظر......إنني قد أصبحت أحرك يدي ثم انظر أصابع رجلي لقد بدأت تتحرك .
- اللهم لك الحمد ......كيف صار ذلك... ؟
- هذا شغل روعة .......يا سيدي ...... التدليك والتمارين اليومية التي تعملها لي كل يوم .....هذا شغل روعة.....ألا تريدني أن ابكي.....نعم إنني ابكي .....هذه البنت.جاءت رحمة لي من السماء.....
- اللهم لك الحمد ....أحقاً تحبينها يا أم عصام.
- لا تقل ذلك....والله أني أحبها مثل أولادي.....إنها طيبة وخلوقة ونظيفة وتعاملني زي أمها......الا تريدني أن أحبها .......لقد صدق من سماها روعة.....أسال الله أن يوفقها ويخليها لنا....شوف.. يا أبو عصام أنا لو أموت اليوم... أنا متأكدة إنني تركتك أنت والعيال كلهم في يد إنسانة تخاف الله وتعرف قيمتك وقيمة أولادك ......والله لقد أحسنت الاختيار يا أبو عصام .
- هذا بركة دعائك ومن طيبك انت.......كما تدين تدان.
- انا لو أموت قبلك يا أبو عصام ترى ما أوصيك إلا فيها....
- بعد عمر طويل ..شوفي أنت بدأت تحركين أيدك ورجلك ....يعني شوية وتقومين أن شاء الله ....وترجعين كما كنت وأحسن.
- الله قدير على كل شيء....
- يالله..... شدي حيلك خلينا من موضوع الموت والوصية ذا الحين .احنا . فرحانين بعودة الحياة إليك ياما أنت كريم يا رب .هل اخبرت روعة بذلك.
- أيوه..... هي عارفة بس قالت لا تقولي لإحد .حتى تتحسني أكثر.
- سبحان الله.....اللهم لك الحمد.... يمكن خايفة عليك من الحسد.
- ياخويه يمكن تخاف علي زي ما قلت...والله أن الفضل لله وحده ثم لها .
- الله يجمّل حالها .....احنا طيبين يا أم عصام والله سبحانه وفقنا في هذي البنت.....لكن ...حسد ترى مافيه حسد..... والتمارين مازالت مستمره فيها معاكي ......؟
- نعم كل يوم......بدأت أحس إنني اقدر بعد فترة انزل من هذا الكرسي.
- يارب.........الله يسمع منك.
(14)
بعد ان أحست روعة بالأمان وارتاحت في بيت ربيع الصافي غدت رائعة الجمال .. أصبحت مثل الوردة وبدت عليها آثار النعمة فظهر ما كان خافياً من جمالها وأنوثتها ....وبلباقتها وحسن تصرفها مع السيد ربيع الصافي وزوجته ملكت القلوب والمشاعر من أهل البيت جميعهم وغدت من هوانم البلد ... وأبدلها الله بعد العسر يسرا ... كانت ترى انها تحب ربيع الصافي لكنه ليس ذلك الحب الذي يمكن ان تعطيه الفتاة لاي شخص يكون في مستوى عمرها الزمني... لكنها تحبه حب امرأة وجدت عنده الصدق والإنصاف في المعاملة والتقدير لكل ما تقوم به .... كان طيباً معها وحنونا .... وقد عوضها عن ايام الشقاء الذي عاشته مع زوجها الاول.... كانت تقدره وتحترمه اكثر من ما تعنيه كلمة الحب ..... انه حب من نوع آخر ..... حب يفرضه عليها واجبات الزوجة وما افترضه الله عليها تجاهه وتنظر إليه بعين الطاعة والتقدير الذي تراه اهلاً لها.... مدركة ان رجولة الرجل تحمل في معناها حسن المعاملة وتحمل المسئولية اكثر من أي شي آخر.. وتحاول دائما أن تبدو له راضية مبتسمة لمقدمه مرتاحة لوجودها معه ..

كان السيد ربيع كأنه ولد من جديد وكان يرى في زوجته الجديدة كل يوم ميزة جديدة....... لذلك كان يحاول أن يرضيها بالهدايا وبكل ما يرى أنه يدخل السرور والسعادة إليها ..... كذلك فإن زوجته سارة من أسرة غنية جدا ولم تبخل على روعة بشيء بعد أن وجدتها تلك المرأة الرقيقة الحنونة عليها .......
كان للسيد ربيع ثلاثة أولاد أكبرهم عصام ثم مازن وسامي من زوجته سارة.... كلاً منهم قد استقل بيته وزوجته وأطفاله......وكذلك بنتا واحدة هي فاطمة متزوجة من احد أقاربها ولها أطفال......ويعيشون جميعا حياتهم الطبيعية بعيدا عنهم ...
أنجبت روعة من ربيع الصافي ولد وبنت هما فريد وصدّيقة وكانت من اسعد الناس بحياتها...... اشترى لها السيد ربيع ارض في حي فلسطين وأقام بها عمارة كبيرة ... بها شقق ومحلات تجارية وأصبحت العمارة ملك خاص لها هي وأطفالها بالإضافة الى انه سجل بيت باب مكة لها ولأطفالها ايضاً..
لكن القدر لم يمهل السيد ربيع بعد ذلك كثيرا حتى مرض وانتقل إلى المستشفى وهناك وافاه القدر وانتقل الى رحمة الله ...
وكانت روعة أكثر الناس حزنا وفقدا للسيد ربيع الصافي. بل أكثر المتضررين بموته ..
وتمر الأيام وتبقى السيدتان الأرملتان في بيت ربيع الصافي مثل البنت وأمها ....
طلب عصام ابن السيد ربيع الأكبر من والدته الإنتقال معه إلى بيته...... إلاّ أن روعة رفضت ذلك.
- كأنك تريدين أن تذهبي وتتركيني يا أم عصام.
- أنا أخاف لا يكون أثقلت عليك.
- أثقلت علي......؟ .هل تثقل الأم على بنتها...؟.... أنتي زي أمي.....إلاّ إذا كنت أنت قد ساءك مني شيء لا أعرفه ..أو كرهت الحياة معي ... أو إن أولادي يزعجونك .
- إلا هاذي......أنت وأولادك أغلى من عيوني....أنتي وأولادك الباقي لي من ريحة ربيع.........لا تقولي هذا الكلام.
- إذاً.... نبقى سوى....حتى الموت.
- من ناحيتي.......والله أحب على قلبي.
- إذا أنا وأنت بنت وأمها........فلا تتركيني.
- الله.يا روعة.....الله....توكلي على الله.....الله يديم المعروف.
- أيوه....... على كذا ما يفرقنا إلا الموت.
- وهو كذلك.
وبقيتا سويا وعندما مرضت السيدة سارة كانت روعة لها فعلا مثل ابنتها تمرضها وتعطيها الدواء ...لكن الموت قد كتبه الله على كل حي ولا يبقى الا وجه الله سبحانه ذو الجلال والإكرام فما لبث ان انتزع السيدة سارة من البيت وافرد روعة واطفالها في البيت الكبير الذي اصبح موحشاً رغم وجوده في وسط البلد .. ....
ماتت السيدة سارة وفقدت روعة تلك الإنسانة القديرة التي كانت تستأنس بوجودها معها وتملأ عليها البيت ......
الكل رحل من هذا البيت الكبير ولم يبق به سوى روعة وابنها فريد وابنتها صديقة فأستاذنت عصام أن يسكن والدها معها في بيتها حيث انه يعيش مع اختها في مكة المكرمة بعد أن توفت أمها وتركته وحيداً.... وأرادت بذلك ان تشعر عصام أنَه لا يزال المشرف العام عليها وعلى أطفالها لتكون بذلك أكثر إرتباطا بعائلة ربيع الصافي وأن ذلك من فرضيات الأصول والواجب فزاد احترامه لها اكثر من ذي قبل بحكم انها احترمت قدره ومكانته في العائلةرغم أن البيت يخصها هي وأطفالها ... فكانت الموافقة سريعة ...
فالسيد حمدان سيكون مشرفا على روعة وأطفالها وسيكون ذلك تخفيفا له من المسئولية التي من المفترض أن يقوم بها عصام لقضاء حاجاتهم وتفقد أحوالهم وعلى الأقل يكون مطمئناً عليهم بوجود السيد حمدان معهم ...


(15)
بعد موت الحاجة........خيم الحزن والسكون على حياة روعة واحست بالخوف من المجهول,
كانت الكآبة تظلل حياتها.......كانت تغلق على نفسها واطفالها غرفة النوم ولاتخرج منها إلا إلى المطبخ لطهي مايمكن أن يكفيها طيلة يومها أو عمل إبريقا من الشاي بين وقت وآخر ... او الذهاب الى السوق لشراء بعض ما تحتاج اليه..ابوها لم يأتي اليها من مكة بعد...اخبرها أنه سيحضر بعد عيد الفطر ... أنه يريد أن يصوم رمضان في مكة ..وهذا شهر رجب لم ينتهي بعد ..
كانت الغرفة بها مكيف .. وكانت باردة دائماً....... لذلك فقد كانت تلك الغرفة عبارة عن سجن إختياري تحبس نفسها وأطفالها فيها ومرت على ذلك اياماً.. بل أسابيع...فأخذت منها الكآبة والملل أي مأخذ حتى سئمت ذلك الرتم من الحياة حتى حضر إليها والدها من مكة ....فقررت أن تخرج من هذا السجن...وبدأت في فتح نوافذ الغرف ....
كانت هناك بقالة أبو أسعد في الجانب المقابل للبيت مباشرة فأخذت تنظرالى الشارع والمحلات التجارية المقابلة للبيت وكأنها تراها لأول مرة.
وكردة فعل لأيام الانغلاق النفسي الذي عاشته خلال اكثر من ثلاثة اشهر وجدت في داخلها ثورة عارمة الى الإنفتاح والخروج الى الفضاء الواسع بل والتمرد على كل شيء كانت تخاف منه.
اخذت تخرج بأطفالها ووالدها الى حوش البيت و تحاول ان تبث الحياة في حديقته التي جفت من جراء عدم الاعتناء بها.
تركت للأطفال حرية التجوال واللعب داخل الحديقة واخذت هي أيضا تحاول التجرد من اثار الحزن الذي خنقها خلال فترة ذلك الإنغلاق الموحش ...ولم تمض فترة على ذلك حتى اخضرت حديقة المنزل وتفتحت ورود الجوري بألوانها المختلفة وغدت رائحتها الزكية منتشرة في افق الحديقة.
كل شيء تغير....... لم يعد معها في البيت من يأمر او ينهي او حتى يحتاج الى رعاية بل كانت .كل المعطيات تدين لها بالسمع والطاعة........
لم يكن ينقصها شيء ..فالمحلات التجارية تأتي اليها اجاراتها في نهاية كل شهر.....والبيت لها هي وأطفالها وهذا يكفيها بالأضافة الى عمارة فلسطين والى ماخلفه لها السيد ربيع وزوجته من اموال تم ايداعها في البنك.
أحست روعة انها بعيدة عن الناس في هذا البيت...والوحدة سجن مظلم 00لماذا ترعبها الحرية ... كيف ترى أنها ستعيش بقيه عمرها 00هكذا إن الدنيا بدون ناس ما تنداس 00لماذا لا تتزوج وتنجب أطفالا يجعلون الحياة تعود إلى جسدها من جديد قالت ذلك عندما كانت جالسة في حديقة البيت ....
كانت عندما تفتح شباك غرفتها المصنوع من الخشب ترى ذلك الشاب النشط الذي اتى حديثاً في بقالة ابو اسعد... ان دكانه اول دكان يفتح مبكراً.. وهو آخر دكان يقفل في الشارع ...كانت ترى حركته امام البقالة ...انها تراه.. شابا مرحاً وسيما مقبولا جدا..ذلك هو ...حامد..
(16)
كان حامد قد انتقل الى البقالة بعد موت السيدة سارة بفترة قصيرة وقد تعرف على السيد حمدان الدواس بعد ذلك بفترة ..... كان يأتي اليه لشراء متطلبات البيت حتى نشأت بينهما علاقة مجاملة من الاسبوع الأول على تعارفهما ... وتمر الأيام والشهور..
وذات يوم كانت الشمس تستأذن في انغماسها في البحر وحركة الناس في السوق تدور بوتيرة أسرع..... استعدادا لفطور اليوم التاسع من ذي الحجة ... نزلت روعة الى البقالة.....واخذت بعض المقاضي وانصرفت.....لم يكن حامد يعرف أنها إبنة السيد حمدان ....الا عندما تبعها بنظره.. ورآهاتدخل من البوّابة.. زهرة ربيعية تتفتحّ.. تشمخ مثل نخلةٍ قد احتملت عذوق ممتلئة بالخير... فعرف انها ابنه ذلك الشايب الذي يجلس عنده... بعد ذلك توالت زيارتها الى البقالة.....
اصبح يعرف انها صبية في مقتبل العمر و لم تكن كما كان يتخيلها من حديثه مع والدها ارملة (تصورها كبيرة في السن ).....
كان السيد حمدان الدواس مرحاً مبتسماً يداعب الزبائن الآتين إلى بقالة حامد وينكت معهم وينشر في جو البقالة روحا من المتعة والمرح ... عرف حامد عن السيد حمدان الدواس كل شئ وعرف انه أتى ليعيش مع ابنته في هذا البيت الذي تسكن فيه هي وأطفالها ...لكن هذا الخبر لم يكن له أي قيمة في بداية الأمر..
كان السيد حامد يستلطفه عندما يأتي ثم يحلف عليه أن يجلس على كرسي كان موجودا بجانبه ....... كلا منهما يحس أن الآخر قريب إلى قلبه ....لذلك فقد كان يطول الحديث بينهما والجلوس في البقالة ....
سأل حامد السيد حمدان الدواس ذات مرة ..
- هو كم عمرها بنتك ياعم حمدان ...؟
- يمكن حوالي سبع وعشرين سنة ..
- يعني باقي شباب ..
- أي والله باقي صغيرة .. هذا عمرها ...
- ليش ما تتزوج ..؟
- الظاهر إنها تبغى تربي عيالها ..
- لو حصلت لها عريس يعرف قيمتها ومقدارها .. ما ودك تشوفها متزوجة ومستورة ..؟
- واالله انا من ناحيتي اتمنى ذلك ... بس الأمر يرجع لها ..
- تري .... انا اقولها لك بالعربي .... اذا تتزوجني انا والله اللي اعرف قيمتها وأشيلها هي وعيالها على راسي ..
- انت ..؟
- نعم انا .. والا انا يعني ماني على قد المقام ..
- الا والله انك العزيز الغالي ...بس ..
- بس .. ايش .. اناودي اتزوج وقد اعجبتني وإذا كان فيه نصيب .. فسأكون زي ولدك برضه..
- والله ياولدي انا مالي عنك خيرة ..
- وأنا كما تشوف شغلي جنب البيت وأي شيء تحتاجه اكون قريب منكم وأنت في مقام ابويه برضه ..
- والله يا ولدي انا اشاورها والله يكتب ما فيه الخير ..
- شاورها ووضح لها الصورة لا تكون تنقل لها الخبر جاف كذا بدون نصيحة....... ووضح رأيك لها في هذا الموضوع ..انا شاريكم وأحس ان الأمل يدعوني...كذا سبحان الله الى بيتكم ..وأنا احتاج مساعدتك ..
- يكتب الله ما فيه الخير.... انا احاول وإن شاء الله ما يكون الا الخير ..
اصبح حامد بعد ذلك يتوق الى رؤية روعة ويتطلع الى الوقت الذي تأتي الى البقالة فيه لتشتري بعض متطلباتها .. حتى تعلق قلبه بها .. كانت عندما تاتي اليه روعة غالبا مايكون وقت الضحى والحركة قليلة مما يفتح المجال للحديث بينهما .. كانت جريئة وواثقة من نفسها فكانت تسأل عن نوعية البضاعة وتكاسر في الاسعار..... لكن كان الكلام في الواقع بعيدا عن مايسوء.وقد كانت هي تستانس لكلامه وربما ان قلبها قد خفق له ويحدثها عنه بكلام لا يفهمه غيرها .. وكان ايضا يعشق سماع الكلام منها . أي كلام....المهم...انها تكلمه. او تسمع منه كلاماً فهذا يكفيه... كانت تأتي الى المحل وعلى وجهها الغطاء.. وكانت عينيه تتبعها منذ دخولها.. انها جميلة جمالً طبيعي ورسوم وجهها تسبي الناظرين.كان يرى ذلك من تحت الغطاء الخفيف الذي لايخفى جمال عينيها وجمال وجهها فالشمس لا يحجبها الغربال. اوكأنه الغمام الخفيف عندما يحاول ان يخفي تحته صفحة القمر ..
لاحظ عليها الإرتباك عندما كانت تأتي تنتقي طلباتها من البقالة . بعد ان أحست أنه مهتم بها ويتبعها بنظره....
كان وجودها في البقالة كافياً ليشغل تفكيره عن كل شيء .. إنه يحس ان حياته تتحول في تلك اللحظة .. كان يشعر بها فوقه .. بجسمها وروحها . وهو جالس على الأرض. وكان متعلقاً بها تعلقاً لا يستطيع فهمه ... بل اكثر من تعلق الطفل بإمه .. ويحسب أن شيئا أزليـا سيجمعهما .. كان يتبعها بنظره في مشيتها وهي عائدة الى البيت حتى تدخل الى بيتها
...ويشعر ان قلبه يدخل معها ..
... كان يرى انها وحدها التي تصلح له... فلن يطلبوا منه ان يحضر اهله ثم انها تسكن امام باب البقالة وكل المعطيات تصب في صالحه ...
عندما اخبر السيد حمدان الدواس ابنته بخطبة حامد لها ....كان هذا الموضوع يقابله هوى بنفسها للأرتباط بحامد الا انها كانت تريد ان تملاء يدها من عصام قبل ان تقدم على أي خطوة نحو الزواج.... فهو الأخ الأكبر لإطفالها وكبير العائلة وهو المسئول عنهم شرعا وقانوناً وتريده ان يبقى خيمة تظلّهم جميعاً.... الا انها وجدت عنده رفضا لهذا الأمر خوفا على ان يكون الزوج القادم طامعا في الثروة التي يحتكمون عليها .. وعلى اثر ذلك اعرضت عن فكرة الزواج وابلغت ابوها ان يبلغ حامد بذلك ..

(17)
بعد ان انتقل حامد الى بقالة باب مكة استمر في سكنه مع زميله اليمني عبد الفتاح في البغدادية ...ذلك الشاب الذي تعرف عليه عندما كان يتدرب على قيادة السيارة... ويعمل في محل بيع الملابس الجاهزة في سوق العلوي ...
وبعد ان احس حامد بإعجابه بروعة.. اخذ يشرح لصاحبه كل ما يحس به تجاهها ويطلعه على شعوره نحوها وكيف انه يرى انه قد وجد ضالته في تلك المرأة التي تسكن قبالة البقالة وكذلك ينقل له ما يدور بينه وبين ابوها من أحاديث وكيف عرف عنها كل المعلومات من والدها .... وكذلك كلامه معها عندما تأتي الى البقالة ....
أصبح الحديث بينهما عن هذا الموضوع شبه حصة يومية يقوم حامد بسردها لصاحبه بعد عودته الى البيت كل مساء ..
· كانت اليوم تلبس فستاناً زهرياً..
· جاء ت اليوم إلى البقالة مرتين..
· جاءت اليوم ومعها ولدها وكنت العب مع الولد وكنت أرى في وجهها علامات الرضى ...وكان في عيونها كلام كثير جداً..
* أنا ما ادري كيف عيون هذه الإنسانة تتكلم ...
* نعم تتكلم بكلام كثير ...
- وأنت .... كنت تتكلم بعيونك ..زيها ..؟
- انا نشبت عيوني فيها ... كذا زي ما تقول ذهبت عيوني عندها وما قدرت أن أسترجعها ..
- أنا اسأل الله سبحانه ان يشفيك ..
- صدقني هذه هي الحقيقة ..
- يالطيف .. أنت اللي يسمعك يقول هذي قمرالزمان...مادريت انك قد قلت لي أنها قد تزوجت اثنين.... يعني كهلة .... وكل كلامك هذا ما يدخل العقل ..يخلف الله فيك بخير ...
قال نشبت عيوني .. يشفيك الله ..( وأخذ يسخر منه )..
- أنا قلت لك إنها قد تزوجت اثنين ...؟
- نعم قلته ... أنت نسيت ....؟
- ما نسيت ... لكن إن شاء الله أكون أنا الثالث ..
- يا سيدي بالرفاه والبنين... لكن من فين يجي لك بنين .... هذي يا ابن الحلال كهلة..
- مهما كانت ... لقد اعجبتني انا..
- انت يبغى لك بنت ... تتزوجها وتنجب منها اطفال تربيهم وتشقى عليهم وينفعوك اذا اراد الله وكبرت.. اما عيال الكهلة.. فخلها هي تربيهم ( واخذ يضحك ويسخر منه ).. تقل لي كنت تلعب مع الولد... يا مثبت العقل والدين يارب..
- تعتقد انها توافق لو خطبتها..
- اكيد ... هي اذا لم تضحك عليك .. على من تضحك ..
هي ما بتلقى في البلد واحد مخبول زيك ..
- والله إنني مخبول بها.....(آبي الدفــا......لو تحترق كفي).
- يا سلااااااام.. هذا باين الله يوفقك ..الا جاوبني بصراحة .. انت ما لقيت بنات في هذا البلد..؟
- أنا ما حبيت إلا هذه .. ولازم اتزوجها..
- بكيفك يا ابن الحلال..
- .....( اه لو تدري اني ما انا إبن حلال كان عذرتني ).
- أنت طمعان في فلوسها اكيد ...لكن سوف تضيّع شبابك معها.. ثم تندم .. انت بتصير سواق عندها هي وعيالها .. أو بالأصح ولدها الصالح ..والله يعينك .... مرة توديها الدكتور من شان ركبها تعبانة ... ومرة توديها للفقيه يقراء عليها.. ومرة تركّب لها نظارة عند طبيب العيون ......زي امك الله يجزيك خير ..
- كل كلامك هذا ماله عندي أي تأثير .. انا اعرفها .. وأدري انها اصغر مني .. ولا تحاول تكرهني فيها .. فأنا مقتنع تماماً واللي في راسي عازم انني اسويه وكفى...

وياريت اللي كثير (عذلوك ي) كانوا ياخذوا عينيه يشوفوك ي
كانـــوا بقلوبهم حبوك ي زي ما حبيــتك أنا وقلبي
محمد حمزه
..........................................
(18)
كلما تذكرحامد وضعه الذي يعيش فيه يحس بفاجعة كبيرة... فهو يحسب ان كل الاقدار لا تسير الا ضده.....وان الزمان هذا هو مسطّر للتنكيد عليه. .....: وعندما اخبره السيد حمدان برد روعة ورفضها الزواج.... ازداد قنوطه اكثر.. وكان يقول لنفسه ..:
لم يعد في قلبي أي مساحه خضراء ,..... هذا قدري بعد ان رأيت غصنا ممكن ان اقع عليه هاهو قد انقطع بعد ان حسبت ان الأقدار ربما تعتقني ... الا انني سأبقى وحيدا طريدا ... كنت اريد هذه المرأة وقد حسبت ان لا يكون لديها مانع من الزواج مني ... فأنا سأقوم بخدمتها هي وأبوها وأطفالها خير قيام ..الا انها ربما تراني اطمع في مالها ...لكنه الشؤم ورداءة الحظ لا زالت تلازمني ...... آه ....... انني احس ان قلبي مثقلا بهموم ليست من صنع يدي ولم اساهم في تكوينها ولم أدري إلى أي مسافة ستأخذني .... نعم لاأدري ......
في تلك الفترة اتى شريكه في البقالة ( أبو أسعد )وقد شاهد حامد على غير عادته فقد كان شعلة من النشاط.....
إلا في هذه الفترة.
- مابك....؟
- لاشيء.
- أنت غير طبيعي. ....هل تخاصمت مع أحد.....؟
- لا.... أبداً.
- وجهك متغير......وشعر وجهك طال.... ولم اعهد هذا منك من قبل.
- متضايق قليل.
- من أيش......؟
- لا أدري.
- بدون سبب........هذا غير معقول.
- صدقني مافيه سبب.
- تريد الزواج..........؟
- لا.........قالها بسرعة.
- ليش...؟....ومالك تغيرت كذا بسرعة......؟........انت مصيرك تتزوج....وأنا عندي لك ناس كويّسين غير اللي رحت لهم في المرة السابقة .... اذا أردت ان تتزوج أذهب أنا وأنت.... لهم.
- أنا ماأريد أن أتزوج.
- صدقني اذا شفت العروس رايح تغير رايك.
- ماأفكر في الزواج الآن......... لم يعد لي نفس في ما تقول .... أحس قلبي مثل الأرض المحروقة التي تأخر عنها المطر حتى يئست ان تروى او ينبت بها العشب في يوم من الأيام .. نعم هكذا أنا .... أرجوك ..... أتركني بحالي ... الله يوفقك ....
- انت اتركني اتصرف هذه المرة .......وبعدين انت احكم على الفكرة.
- انت تريد ان تخدمني ..؟
- نعم ...
- اخطب لي امرأة ساكنة في هذا البيت الذي امامك ..
- أنت تعرفها ..؟
- نعم وقد خطبتها ورفضت ..
- لماذا أخطبها لك مرة أخرى بعد أن رفضتك .. ولماذا لا تتزوج بنت .... البنات كثر.... وأنت رجال كسّيب ومبسوط ...
- أنا ما أحب غيرها ..
- .........(بقي فمُ ابو اسعد مفتوحاً، محاولاً استجلاء الموقف.. فهم من كلام حامد انه يحب وأن هناك امرأة قد توجه قلبه اليها ..)
لاحول ولا قوة الا بالله . ..... من مين تريد أن أخطبها لك ..
- من أبوها .. أنه ساكن معها ..
- هوه في البيت هالحين ..؟
- نعم .. هوه في البيت ..
- والله أنا أروح له ذا الحين .. .... هو ساكن فوق..؟
- نعم والباب من الزقاق اللي على يمينك ..
- اتوكلنا على الله ..
ذهب أبو أسعد إلى السيد حمدان ودخل الى بيت ربيع الصافي وتناقشا في موضوع حامد ...::
- ياطيّب انا جيتك من عند الولد حامد.. هذا الولد صار له عندي اكثر من عشر سنوات وهو طيب ومحترم وأنا لي فترة طويلة وأنا احاول فيه في الزواج وكان يرفض ( سبحان الله ) الا هالحين يقول ما يبغى الا بنتك ( كانت روعة تسمع الكلام ) وقال انكم رفضتوه .....والولد طيب جداً وانا لو كان عندي بنت والله لأزوجه اياها وطلب مني ان اكلمك ويمكن تعيدوا النظر .. والولد طيب .. وما دام حبها والله يشيلها في عيونه وأنتم ايش تبغون اكثر من كذه ..
_ أنا شخصيا ماعندي مانع .. بس البنت استشارت ابن زوجها ورفض الفكرة خوفا على اموال اخوانه ..
_ يا عمي الولد حامد ماهو من هذا النوع ... هذي الحاجة أنا مسئول عنها .. الولد والله عريس لقطة... وإذا ودك تسوي حساباتك انت وبنتك واطفالها قبل الزواج وتشوفون الثروة قبل الزواج احنا ما عندنا مانع .... انا اعتبرني كل شيء ... أنا إنسان معروف .... انا شيخ بياعين السمك .. بعدين انت كبرت وهو حايشيل الحمل عنّك واهي فرصة لك وللبنت ... انا ودي انك تحسبها صح .. بعدين المثل يقول الحي ابدى من الميت ... انا الولد هذا بدي ازوجه . يعني بدي ازوجه .. بنتك والا غيرها .. لكن هذي فرصة لك انت وبنتك ..
_ خليني اشاور بعدين ادي لك خبر ..
_ اهي فرصة وجت لك الى حد عندك ... وانا رأيي تقولوا يارب وتتوكلوا على الله .. اما الطمع اللي تقول عنه فهذا الأمر لاتفكر فيه بالمرة .. يالله ......أنا استأذن .. سلام عليكم ..

(19)
بعد اعتذار روعة عن الزواج كان عبد الفتاح يرى اثر الإحباط في وجه صاحبه ..
- أنا أشوفك الأيام هذه مهموم وعليك غبار مصيبة يمكن إنك فعلتها ولم تعلمني ..... قل لي وش سويت ..؟
- أنا ما سويت مصيبة ...... المصيبة إن حضي سيء..
- مالك ... علمني ... وش عندك ..قاعد مهموم ... ما تتكلم .. يا رجال فكها.. ما يستوي فقر وقرتمة .... ارمي همومك على الله والله سبحانه قادر على حلها .. افرد وجهك وقول يارب ..لا يكون إنها هذي اللي تقول إنها خبلت بك ..؟.. هي فعلت بك شيء ..؟
- نعم اعتذرت عن الزواج ..
- بشرك الله بالخير .. والله العظيم إنها طلعت أعقل منك .. يا رجال هذي كبيرة الله يستر عليها .. خلها ما عد تنشب عيونك فيها مرة ثانية .... الللللللللله يعظم أجرك ..
- لازلت أحبها.. ولم ينقطع الآمل بعد .. احس ان حب هذه المرأة قد تلبسني واستولى على قلبي ومشاعري ولا استطيع ان اخرج منه ..
- هذا والله من ضعف عقلك ... واحدة تقول ما أبغاك.. تقل باقي عندك فيها أمل ..خذها مني أنا .... هذي منتهية صلاحيتها ...
( وأخذ يضحك ).. إن كانت هذه مصيبتك اللي أنت مهموم علشانها فأنت الربحان.. والأمل اللي أنت تقول عليه قم ادفنه عند الباب والله يرحم موتانا وموتى المسلمين جميعاً..
واخذ يفكر حامد بعد ذلك في العودة الى سوق السمك.فلعله يقابل زميله خالد.ويلتقي بإمه التي ربته وعلى الأقل يتّخذهم عائلته حتى يتزوج فلن يقبل به احدا وهو كذا.......(ابن حرام)
نعم.....هنا لن يأتي اليه خالد مرة أخرى ولن يعرفه لكن هناك المكان مكشوف وربما يأتي احد إليه ويتعرف عليه...لكنه سأل نفسه......لماذا لا اختصر هذا الطريق واذهب اليهم انا...لا......
لن اذهب.....لن أعود الى وادي فاطمة ابدا....حتى لو ما أتزوج........ ولن اعود الى سوق السمك ...إنني ماصدقت اخلص من رائحة الوحل ورائحة السمك التي بقيت في ثيابي وجسمي فترة من الزمن......ويمكن بقائي هنا أحسن....لقد وقع جواب السيد حمدان له وقع ضربة قوية في جسد متعب ومليء بالجراح اصلاً.. ثم راح يحسب إن كان هذا هو قرارها الأخير ام ان هناك امل يكمن خلف جدار هذا الرد السريع لكي تختبر روعة صدق نواياه في طلبه هذا ..
في الطرف الثاني لم تنقطع روعة ووالدها عن الدكان وكان يرى حامد في حضورها الى البقالة علامات ايجابية ويقول لنفسه ...ربما تراجع حساباتها وتوافق ..اما أنا فقد تعودت على الصدمات ..لقد قضيت أغلب ايام عمري في الصراع مع الخوف والحرمان والأزمات الجوعية المتتالية حتى اصبح عندي جلد وقوة تحمل.. تحد من تأثري بالأزمات التي اتعرض لها ولعلني الأن اعتبر نفسي فاقد الإحساس ..
(20)
استمرت روعة تتردد بعد ذلك على البقالة...لتشتري منها ماتحتاج اليه ومالاتحتاج اليه........وكأنها بعد ما تعود الى بيتها ترى انها محتاجة لآن تراه او تسمع صوته. لم تكن مقتنعة بالرد الذي اخبرت به حامد وكانت كلمات ابو اسعد تقض مضجعها كلما استعادتها الى الذاكرة ( انا الولد هذا بدي ازوجه . يعني بدي ازوجه ).....
كانت تريد ان تقول له انني محتاجة اليك انا ايضا ً او اشتاق اليك او معجبة بك......... لكنها لم تستطع ان تنطق او تصرح باعجابها به............ كانت ترى في عينيه اثر جمالها في نفسه واعجابه بها...
كانت تحبه ...نعم تحبه رغم ان هذه الكلمة يصعب عليها النطق بها ...فقد يمنعها الحياء.....وعزة النفس لكن الجوع كافر.....انها محتاجة الى من يسكن معها في ذلك العش الذي ترى انه بدون رجل لايمكن العيش فيه وان والدها قد يفارقها قريباً..... وان هذا الشاب الذي ارخت سدولها حوله... هو الرجل المناسب فعلا.....
وفي نفس الوقت كان حامد يسحب عيناه الزائغتين في هذه المرأة عند حضورها إلى البقالة ثم ينسى بعدها كل شيء حتى ما بداخل الدكان وحتى لو امتلاء المكان بالزبائن فأنه لا يرى سواها ....إنه يراها أمامه مساحة كبيرة .... يرى إنها فضاء واسع ولا تشبع عينيه من استطلاع أخر نقطة فيها .. يتناهى له سمع أصوات حركات قلبها ويترجمها إلى كلمات عذبة يحس أنها تبلغ قلبه ببشرى يفهمها قلبه وحده .. ويشعر بسعادة غامرة تملاء نفسه وتلامس قلبه. ...كانت عندما تأتي اليه يختلس اليها نظرات متسلقة .... ادهشته اناقتها ... تكاد انوثتها ان تنطق ... كانت تبهره تلك الإستدارات اللعوبة وهي تتنقل بين الأرفف وتنتقي اغراضها بعناية ...كان يراقب كفيها الجميلتن بإعجاب..... ارهقته المقارنة بينها وبين تلك الفتاة التي ذهب لخطبتها في بيت ابو سمير...
استسلم لبكاء مرير بعد خروجها من المحل .. كان يريد ان يقول لها انه لم يعد يحتمل رفضها الزواج منه ... نعم سيقول لها ذلك في المرة القادمة وليكن ما يكن .....

(21)
كانت روعة تحب القراءة كثيرا وكانت من النساء اللواتي يتابعن بعض المجلات التي تعنى بالأسرة ........
كانت تستهويها بعض القصص والاستطلاعات التي تصدر في بعض تلك المجلات ..... وبعد مجيئ ابو اسعد يطلب يدها لحامد مرة ثانية.. كان هناك مقالاً مطولاً عن الأرملة وحقها في الزواج بعد وفاة زوجها فشد انتباهها ذلك الموضوع وأخذت تقرا وتعيد قرأته أكثر من مرة بتمعن وتأن..
كان الموضوع جادا وكتب بموضوعية وكأن كاتبه قد نشره نتيجة استطلاع قام به حول هذا الموضوع وكان ممّا كتبه :
أن بعض الاباء والأبناء الذين يعارضون زواج الأرملة قليلي الخبرة وحتى قد يكونوا من ضعاف العقول وليس لهم قدرة على تحمل المسؤولية أو المساعدة على تحملها ..... لو كانوا وضعوا أنفسهم مكان هذه الإنسانة وهي تعاني الوحدة وتختزن الألم والحزن لعذروها.... لو جربوا معاناتها وهي ترى النساء اللاتي يقاربن سنها يعشن هانئات مع أزواجهن..... لما كرهوا لها الزواج بل حثوها عليه...
والحقيقة أن الوفاء في القلب وتيار الحياة لا يمكن أن يتوقف.... بل إن الوفاء مشاعر..... وما أكثر اللذين يتظاهرون بما لا يشعرون ...
والأرملة التي تسمح لرغبات الآخرين أن تحدد مسار حياتها ....تدفع الثمن دائما من عمرها ...ومن نبضات قلبها ....ومن إحساس جسمها الذي يموت شيئا فشيئا...وحتى لو كانت في شرخ الشباب (أخذت تكرر هذه العبارة أكثر من مرّة)
ثم استطردت تقرأ ...
إن هناك نساء كتب عليهن القدر مواجهة الحياة ومعاناتها وان يبقوا في محن تختبر إراداتهن وتكشف معدنهن.... يعشن في دوامة نفسية بعد أن غاب رفيق العمر وخطفه الموت من بين زوجته وأطفاله 0
لكن المجتمع الذي حولهم يريد أن يدفنهم معه.....
إن عيونهن تبوح بمعاناتهن.... (كانت تقرا قليلا ثم تعود إلى تلك الجملة السابقة ثم تقرأها أيضاً..)..
ثم تقول لنفسها (أنا لست عهدة في يد عصام..... لقد انتهت علاقتي به بمجرد موت أبوه...... وانا لدي أطفال لابد أن أعيش لهم ...واعيش لنفسي أيضا ..وهذا يعني أنني لن أموت مادمت قادرة على الحياة.... نعم إنها الحياة والفرصة التي أمامي قد لا تتكرر .....حامد على أي حال هو من أفضل الفرص التي قد تحصل عليها مثلي).. ثم تستطرد تقرأ في تلك المجلة...
إن الحالة النفسية التي تبقى تحتها الأرملة عبارة عن مجموعة لضغوط نفسية من أسباب شعورها بالوحدة..... وتختلف درجتها من إمراة إلى أخرى مع شعورها بالتوتر والعصبية مما يؤدي في بعض الأحيان إلى عزلتها وتجنب الإختلاط مع الناس..... وهذا الإبتعاد القسري أو الإختياري يجعلها فريسة معاناة جديدة يولدها الكبت الجسماني يرافقه اكتئاب وقلق يأتيان في أعراض جسدية ...
وتؤكد المعلومات المدروسة أن الأرملة هي من يحدد قدر حاجتها إلى الزواج.... فإذا كانت شابة تزداد معاناتها وكذلك حاجتها النفسية والعاطفية التي يلبيها الزواج..... وهذا أمر مهم..... ويركز هذا البحث إلى أن المرأة تظل ولآخر يوم في عمرها في حاجة لوجود رجل في حياتها.... بعيدا عن أي احتياجات مادية او بيولوجية.... وأخذت تقرأ ذلك الموضوع وتكرره... وقد وقع من نفسها صحة ماكتبه ذلك الكاتب ايّما وقع... .....ثم أغلقت المجلة.... وأخذت تعيد قراتها في كل يوم.... وكأن هذا الكاتب وقع على الجرح الذي تشعر أنه بدأ ينزف من جديد.... ويرش عليه الملح.......
بين هذه الكلمات وتطلعها إلى الحياة أخذت تفكر بجدية في حامد.... وترى أنها تستطيع أن تخرج من ذلك الفراغ الذي تعيشه عن طريقه..... وكذلك هناك حادي الخوف من موت أبيها الذي كبر وتقدم به العمر.... وأصبح الخوف من فقدانه قاب قوسين ...أو أدنى ...فلماذا لا تكون هي الأقوى ولماذا تستسلم لما يريده منها المجتمع الذي سيلفظها في يوم من الأيام إلى النفق المظلم الذي تتصوره أمامها 0
لابد أن تتجاهل هذه المفاهيم وتكون أقوى من الزمن.... لابد أن تنتشل نفسها اجتماعيا ونفسيا وتعيش مابقي من حياتها ....فهي الآن في موقع تستطيع منه أن تشترط على الزواج القادم ما تشاء.... وهي بحالة مادية ممتازة وكذلك هي جميلة ويتمناها أي خاطب ولا ينقصها سوى الحياة ..... تريد ان تعيش عام أو عامين أو عشرة ...حسب ما يسمح به القدر ..حياة تكون مفاتيحها في يدها.... تستطيع إن تطلب منه مغادرة البيت في حاله عدم صلاحيته كزوج او في حالة تأكدها انه يطمع في مالها ومال أولادها ....... تريده أن يكون لها أنيساً في حياتها على قدر مايسمح به الزمن وتنتقل معه إلى حياة أفضل0
إنها ترى ان هذا القادم أو المتقدم لها أنه سينتشلها من أحزانها بعد أن اصدر عصام والمجتمع من حوله حكمه عليها بالإعدام الاجتماعي والعاطفي... ولم يراعي ماتحتاج إليه من حاجات نفسية وعاطفية حيث تنهشها الوحدة والفراغ القاتل.... ولا يعني ذلك عدم اهتمامها بأطفالها بل سيكون زواجها رحمة لهم ويبقى ظلاً وحصناً لهم خصوصا في هذا السن الذي يحتاجون فيه إلى الرعاية...
(22)
في ليلة من ليالي الصيف ...كانت روعة تحس أن تلك الليلة ثقيلة جدا ....نهضت من فراشها وخرجت إلى البلكونة... كانت تمشي على رؤوس أصابعها ...لا تريد والدها أن يسمعها...... إنها تريد أن تخرج من كابوس الفراش الذي كرهت المكث فيه ..
قامت وقلبها يرتعش..... لماذا .... لا تدري كأن قلبها وحده الذي ينبض في هذا السكون ...جلست في البلكونة.... وكأنها تسرق وقتاً من عمرها..
جلست على كرسي خشبي هناك.... كان في العادة يجلس عليه والدها... نظرت إلى السماء ...والنجوم ....
كانت الأشجارعلى جانبي الشارع قد استسلمت لسكون الليل وسطوة الرطوبة الخانقة...
لقد هداء الشارع الذي عبثت به السيارات وأرجل المشاة خلال النهار وزلفاً من الليل ....لم يعد في الشارع سوى حركه بعض المارة اللذين يأتون فرادى او مجموعات صغيرة وعلى فترات متقطعة ...
كانت روعة في البلكونة ذات الواجهة البحرية...... هكذا الليل .... يتمطى بصلبه على البلد ... وكل ساعة تمر تزيد حلكته اكثر..كما لو كان مختبئ خلف أمواج البحر ينتظر أن يبتلع البحر أخر شعاع للشمس ليلف الأرض ومن عليها بالظلام وتزداد قسوته من ساعة الى اخرى حتى يأتيه الفجر الذي هو موكل بطرده .. نعم هذا الليل الذي يفرض على الناس الخوف والعودة إلى المنازل مهما اختلفت أعمالهم ودرجاتهم الاجتماعية... نعم ....لكنه الراحة التي كتبها الله للناس لكي تستريح من تعب النهار والإتجاه إلى النوم الذي يمتص ذلك التعب... ليبدأ الإنسان بعده يوماً جديداً ملئ بالحيوية والنشاط....
هناك من يعشق الليل وفيه ايضاً من يكرهه ..... فيه العشاق اللذين قد سمح لهم الزمان بالحياة السعيدة وهم في غفلة من متاعب الحياة ونكدها ... وفيه من يغتصب إغتصاباً بعض اللحظات السعيدة التي لا تدوم إلا برهة لا تكاد تذكر فكأنهم يغتصبونها من الزمان قبل أن يقلب لهم ظهره كما فعل بغيرهم .... وفيه ايضاً منهم من تزيد همومه ومتاعبه اما بفقد حبيب اومرض يحرمه النوم ولذته... وفيهم من ينتظر الظلام ليسرق من الناس اعراضهم وآمالهم ومقومات الحياة فيهم ..
كانت مصابيح الشارع تحاول أن تبدد الظلام الذي يلف المدينة ..
.. ثلاثةُ رجالٍ، كانوا يخدشون الصمت على الطريق المتجهة الى حارة المظلوم عبر الطريق الذي يمر من جانب مسجد العمودي .. رمقتهم بعينها حتى اختفوا ...
...هناك بعض الشبابيك لا تزال الأنوار تنبعث منها مما يدل على أن هؤلاء لايزالون سهرانين أما اغلب الشبابيك فليس بها أي نور.... وقد نام أصحابها ... تنظر إلى السماء والنجوم.......
كل نجم رايح في الليل بنجم يتنور
غير قلبي فهو مازال على الأفق محير
كانت صفارة جندي العسـّــة هي من يقطع سكون الليل... وكأنه يقول للمارة والسهرانين انه موجود في كل مكان......
اخذت تتذكر تلك الأيام الجميلة التي قضتها مع السيد ربيع الصافي ....اه ...الله يرحمه...
لو كنت استطيع ان ازور قبره لزرته انه هنا في مقبرة الأسد قريب منا جدا ..نعم ثم اطلع من هناك الى طلعة العيدروس وأعود إلى البازان .... ثم انزل الى سوق البدو.. ....إلى العلوي 0نفسي اخرج من حدود الحراسات والأبواب المغلقة ....
نفسي امشي في الشوارع حتى تتعب قدماي ..إن المشي ضروري للجسم وإلا سوف تعلق بي الأمراض ....لقد مللت من الأكل والنوم ..لابد أن امشي ..ابي لا يستطيع أن يخرج معي ...وبدونه لا يمكنني أن اخرج من البيت ..إنها المشكلة فعلا ..سوف يؤدي بي الجلوس إلى الترهل وأمراض القلب والسكر...
لم تفق روعة من تلك الهواجس إلا من صوت المؤذن لصلاه الفجر ينطلق من منارة مسجد الملك عبد العزيز....الله اكبر ..معلنا يوم جديد ثم قامت وصلّت الفجر وعادت إلى فراشها .....
لم تفق في اليوم التالي إلا على أذان الظهر فقامت إلى والدها فإذا هو جالس على كرسيه الخشبي الموجود في البلكونة 0
- صباح الخير 0
- صباح الخير ...ايش فيك .. طولت في النومة اليوم ؟
- أي.. والله نمت ...افطرت ..؟
- نعم...نزلت عند الفوال وأفطرت...
- شربت شاي ...؟
- شربته عند حامد في الدكان ...
- يعني ما تبغى شئ ...؟
- لا ....أبداً.. أنا رايح أصلي الظهر... ثم قام وذهب إلى المسجد ..
كانت الأيام تمشي على تلك الوتيرة أكل وشرب ونوم وسهر ...لكنها استحلت السهر في تلك البلكونة ... ومرت الأيام....

(23)
استيقظت مبكرة ذات يوم.... اغتسلت... أصبحت تغتسل كل يوم... بعد أن كانت في كل شهر مرة أو مرتين.... تريد أن تتمشى في الحديقة بحرّية..
هناك أحد الجيران لا يخرج من بلكونه بيته التي تكشف الحديقة.... وكأنه مخنوقا أيضا... أو يريد أن يهرب من زوجته وأطفاله منذ الصباح الباكر ..كانت تراه ينظر إليها من خلف ما يُنشر على حبل الغسيل الذي يحجب وجهه أحيانا.... لكنه قد أنغرس في مكانه وكأنه موكل بمراقبتها فاتجهت إلى البلكونة 0
كانت تنظر إلى الشارع.... إنه صباحاً جميلاً جداً ..... الشارع كله ينبعث من سبات.... كل أبواب المحلات كانت مغلقة .... ترى المارة يعبرون الطريق جماعات وأفراداً ثم تبدأ المتاجر بفتح أبوابها 00تحس إن حركة فتح الأبواب ..... لها طريقه خاصة ....وتسمع حركة وطقطقة فتح الأقفال لها رنة خاصة .....أصحاب المحلات يصبحون على صوت نادل القهوة من بعيد وهو يرحب بالزبائن ...وصوت السقا ...وهو يعبر الشارع وينادي على المارة طالبا منهم الإبتعاد عن الحمار 0
هذا الفوال قد اصطف أمام دكانه صفاً طويلاً من طالبي الفول ...انه صف طويل غير انه مرتب........ اه.....لو كان الناس تلتزم بالنظام مثل نظامهم في هذا الطابور ..نعم ....لا احد يستطيع أن يتخطى الرجل الذي قبله.... هكذا نظام....... إذا أخذ الذي قبلك ..ياتي دورك ثم تأخذ الفول وتذهب ..ماأحوج الناس أن يتعلموا النظام ..دائما تأخذ دورك فقط .. في كل شيء ......... لا تحاول تدخل على من قبلك.... انه النظام الذي نحتاج أن نتعلمه جميعاً ......وحتى لو يتعلمه الأطفال في المدارس.... هذا دكان الشيخ سالمين وقد حضر إليه بعض بائعي السمن يطلبون منه شراء بضاعتهم.... كل الشارع حركة... أخذت الحركة بعد ذلك تتسارع وكأن النهار سيذهب بسرعة ...كلاً يريد أن يقضي غرضه بسرعة ....إلا أنا فأين اذهب والى متى سأبقى على هذه الرتابة الموجعة ....انني اعتبر نفسي طوع الإقامة الجبرية.....
( 24 )
بدأ جابر حياته العملية كاتباً في البنك الأهلي وتزوج من زوجته حليمةفي بداية شبابه وسكن بها في بيت شعبي في حي النزلة .........وانتقل بين فروع البنك من مكان الى آخر واستوي بعد ذلك مديراً لإحد الفروع في مدينة جدة..... حصل على سلفة من البنك ثم اشترى منزلا في حي الثغر وسكن به.... ثم انتقل بعد ذلك للعمل في ادارة الأحوال المدنية.الى ان تقاعد...
بعد ان كبر اولاده وتزوجوا وبقي هو وزوجته بمفردهم كان يرى ان البيت كلما فيه يعبر عن الرتابة والكسل وأللا مبالاة .. وكثيراً ما كان يثور الجدل والزعل بينه وبين زوجته لذلك السبب..
- حاولي يا ام ابراهيم ان تغيري من شكل البيت .....فكل شيء في هذا البيت مبعثر وغير مرتب.
- هذا بيتنا ولم يتغير فيه شيء.
- نحن أصبحنا إثنان فقط في هذا البيت وترتيبه لن يأخذ منك وقتا .
- البيت نظيف وكل شيء مرتب والحمد لله......لكنك تريد أن تتخذ من هذا الأمر حجة لكي تختلق منها مشكلة وإلا فنحن هذه حالتنا منذ فترة.
- أريدك أن تغيري من شكل البيت.......أريدك أن تكوني نظيفة في بيتك في لباسك في كل شيء.
- هذا أنا .....ولن يصلح العطار ما أفسد الدهرُ....
- لا أريدك أن ترجعي شباب لكن رتبي البيت ونظفي كل شيء.
- أنا ......هذه إستطاعتي.
- إذا لم يتحسن هذا الوضع فإنني سوف أتزوج.
- تزوج...... يا خويه قلنا لك تزوج .
- ..... سأتزوج بإذن الله.
يا خويه تزوج....وأتركنا في حالنا....الله يوفقك ... إحنا في ايش وأنت في ايش ......


(25)
كان محمد العصفوري يعمل مهندسا في احدى الشركات وكان من ضمن الفريق الذي يتسامر في المقهى مع السيد جابر وقد ارتبطا بصداقة قادتها تلك السهرات ...
تواعدا على الذهاب الى حفلة زواج لإحد الزملاء سويا في يوم من الايام وعند العمارة التي يسكن فيها محمد العصفوري أوقف جابر سيارته وصعد الى الشقة لينادي عليه ..... كان يعلم انه ساكن في الشقة رقم 9 وقد زاره اكثر من مرة في شقته تلك ..كان لا يعرف من يسكن معه في الشقة لكنه يعلم ان عائلته تسكن معه ..
اقترب إلى زرِّ جرس أنيق مضاء.. يجثم على جانب باب الشقّة.. اقترب إصبعكفّه اليمنى من الجرس وابتعد مراراً.. ثم غمز زر الجرسبكثير من التشنج والحذر .. خرجت صبية شابة جميلة جداً..
ـ اريد الاستاذ محمد ..
ـ دقيقة اناديه لك ..اقول له مين...
ـ انا جابر......
كانت لهجتها شامية عذبة.... ولم تفتر من امامه حتى اقبل من خلفها فرحب بجابر وطلب منه الدخول لتناول فنجان قهوة معه ..
وعرف جابر بعد ذلك انها اخته ..
وعندما تقابل مع صديقه ابو يعقوب في المقهى همس في اذنه قائلاً ..:
- والله خوينا محمد عنده اخت تنزل الطير من السماء .....
- فين شفتها ...؟
- مريت عليه من البيت وشفتها ...
- اذاً فرصتك ... تزوجها ..... انت تقول انك ما انت مرتاح مع أم ابراهيم ...
- صحيح .... تعتقد انه يوافق ....؟
- ليش ما يوافق...؟
- يمكن البنت مخطوبة .
- طيب اسأله...
- صحيح .... لازم اسأله ..
- يالله يا عم ... اخرج من النكد وعقبى لنا إن شاء الله ..
- تقول ذلك....؟
- نعم توكل على الله وسوّيها ..
- ياعمي توكلت على الله ..
تسارعت الأقدار وخطب جابر ...فريال العصفوري وتزوجها واسكنها في الدور الثاني من العمارة ..
كانت ليله صعبه عندما أخبر السيد جابر زوجته حليمة أنه قد تزوج بأمرأة أخرى وأسمعته من الشتائم والكلام البذيء ما لم يسمعه في حياته ... وانقلبت تلك المرأة الوديعة الهادئة إلى ذئبة شرسة... دخل إلى غرفة النوم وأدخل في أذنه قطن ونام إلى الصباح....
نامت هي في المطبخ ...... وحسب جابر في تلك الليلة أنه سيتزوج غدا وأن هذا الكلام ستتحمله الجدران.... ولن يكون له أثر... وهذا امر طبيعي من جراء الصدمة..... ولابد ان يكون هذا هو رد فعلها ....ولابد ما تنتهي هذه العصبية شيئا فشيئاً....
وبعد شهر من زواجه أراد أن يستشف الأمر فأخبر زوجته فريال انه سينام تلك الليلة في البيت الثاني ...وذهب إلى ام إبراهيم.....
ما أن فتح الباب حتى اندفعت زوجته نحوه بغلاظة وعنف .
- جاي ليش ياخويه .
- هذا بيتي وهذاك بيتي .
- هذا ما هو بيتك .....ما دامك ضيعته ما نحتاج لك يا حبيبي .
- يا أم إبراهيم خليكي عاقلة وهذا الأمر يحدث دائما بين الناس ولن ينقص عليكم شئ .
- قلت لك ما نحتاج لك .
- أستهدي بالله وخلينا نتفاهم .
- ما فيه تفاهم ,ما دامك طلعت من البيت ورفعت خشمك علينا.. يا لله من غير مطرود ....
- إيش يعني .
- يعني أنقلع.... ولا عاد تعتب هذا البيت مرة ثانية .
- أنت ستندمي .
- ياخويه روح ..أصلا من يوم تزوجتك وأنا ندمانة .
- أنا لو خرجت ما عاد برجع ثاني مرة...
- الله لا يردك.......
ـ هذا أخر كلام عندك .
- أوّله وآخره ...يا لله أنقلع ....لا عاد تنكد علينا.... كنا مرتاحين ...يا لله...... هيا فارقنا .
- طيب أنا الغلطان .
- إنت الغلطان وإلا أنا الغلطانة..... أهوه..فارقنا.. .وذهبت إلى الباب وفتحته وطلبت منه ان يخرج..
وعندما خرج. أغلقت الباب بعده بقوة.... وأخذت تسب وتسخط حتى انقطع الصوت عن اذنيه وهو ذاهب.

(26)
جلست روعة ليلة من ليالي الصيف مع والدها في تلك البلكونة وجلسا.. يتذكران ربيع الصافي كيف كان احيانا عندما يخرج من صلاة العشاء يمر ويجلس مع عمدة حارة اليمن الذي تربطه به صداقة قوية ويبقى يتسامر معه ومع بعض سكان الحارة أوقاتا طويلة ..
كانت روعة تحدث نفسها بعد أن رأت والدها قد كبر سنه وضعفت قواه
* الله ......يا أبي .....أهذا الرجل الذي كان يهز الأرض عندما يمشي ....سبحان الله هكذا نهاية الإنسان يضعف شيئا فشيئا 00ثم يموت ...
* أهذا أبي الذي كانت ضحكته تجلجل عندما يفرح وتحس إن البيت يضحك معه..
* هذا أبي قد ترهلت عضلاته واصبحت عروقه بارزة وقد تدلى الجلد عن كثير من المواضع بعد أن تناقصت الكتلة العضلية في جسمه بسرعة ...
* أما الوجه فقد بدأت تغطيه شحوبة مرعبة وضعف القلب فقد لا يتمكن من ضخ الدماء إلى أواخر الجسد بقوة كما كان.... ثم تعود إلى أيام الصبا وتتذكر تلك الحيوية التي كانت في هذا الجسم المتعب الممدد على تلك الأريكة الخشبية ...قام السيد حمدان الدواس لينام بعد ذلك أما هي فقد بقيت في مكانها في البلكونة ... فالوقت لا زال مبكراً .. نعم بعد صلاة العشاء بقليل...
لاشيء يدعوها للنوم .... لقد سئمت الحياة داخل البيت .. اخذت تراقب الشارع الذي لا زال يعج بالحركة ...قهوة السطوح لازالت تعج بالسهارى ...المقهى صاخب تتعالى فيه الأصوات ......باعة الخضروات والفواكه المعروضة على عربيات متحركة كأنهم يسرقون غفلة مراقب البلدية ويمدحون بضاعتهم بأصواتمنغمة، ويجهد كل منهم أن يعلو صوته على أصوات الآخرين والقهوجي يجمع أباريق الشاي من المحلات التجارية ... كانت اصوات الضومنة والضرب بها على طاولات الخشب واصوات المتفرجين والمشجعين يزيد من أصوات الصخب في المقهى .. وتزداد التعليقات الحماسية والحدة والشجار.... ‏
المقهى يقذف إلىالطريق بالسهارى المغادرين وهم يتحدثون واحيانا يتشاجرون .. اطفالها ناموا... دكان حامد كأنه خلية نحل امامه سيارة تفرغ حمولتها ....بائع السمك يقفل ابواب دكانه..
كلا يعود الى بيته شيئاً فشيئاً حتي تقف الحركة في هذا الشارع الا انا فلا انتظر الا ذبول الحياة او الإختناق البطيء في هذا البيت المغلق .... ولولا هذه البلكونة لاختنقت فعلا ً....
كانت ترى ان والدها قد اقترب اجله وبدأ الخوف يذهب بها كل مذهب .. قامت من البلكونة لترى والدها ....... لقد نام ... ثم عادت الى غرفتها ونامت عند اطفالها .... وتمر الأيام والشهور ..
(27)
بدأت الشمس تميل للغروب ....كان الجو ربيعياً
ما أحلى الربيع في رمضان كان السيد حمدان جالس في البلكونة خرجت إليه روعة وجلست بجانبه وأخذت تفرك رجله الممدة على تلك الأريكة الخشبية التي طالما جلس عليها زوجها ربيع الصافي.... كان الجو غائماً ..السماء قد توشحت بالغيوم التي تتسابق لسد الفراغ المتبقي في كبد السماء ...بالوان عجيبة ..ثم يكفهر الجو وتبدأ السماء تمطر ,...
زادت حركه الناس في الشارع 0لقد اندفع الناس متسارعين إلى البقالة.. وبائع الفول... والفران.... كلا يريد أن يجهز الفطور.... قبل أن تزداد كمية المطر فيمنعهم من قضاء حاجاتهم ....هناك شاحنة كبيرة تفرغ حمولتها في احد المخازن القريبة ..والجزار كان يصب غضبه ولعناته على سائق سيارة أتى مسرعا فلفظ الماء الذي في الشارع على دكانه.... وربما يكون قد بلل جزء من اللحم المعلق في الخطاف.. .. اخذت روعة تحدث نفسها ..:
* السوق مثل خلية النحل ....وكلا يستعجل العودة الى البيت حتى اصحاب المحلات.. يقفلون محلاتهم ...
* ان حامد الوحيد الذي لا يقفل دكانه ..لماذا..؟
* انه طيب فعلا ولولا أن الحياء يمنعني لعزمت عليه في الفطور..
* إن والدي يمتدحه دائما ..ويقول عنه انه مؤدب جدا ومحترم ....كما اثنى عليه ذلك الرجل الذي ارسله اليهم ( أبو أسعد )... ليتني وافقت عليه...... هذا هو ابي قد انهكته السنين والأيام.... وعن قريب سوف يغادر البيت مثل غيره ..لكن بعد عمر طويل ان شاء لله ..لكنه سيموت ونحن جميعا سنموت ....
لماذا لا اتزوجه.... لكن عصام قد رفض هذا الأمر وأخشى ان يخلق لي مشكلة وأنا لست حمل مشاكل الآن ...... لكن الى متى سيحجر عليّ عصام .... انني لن ادعه يتحكم في مصيري ... فأنا حرة في تصرفاتي وقسمي من املاك ربيع الصافي وملك اولادي هو عندي ..... لكنني لا اريد ان يكون عصام بعيدا عن اخوته ولابد ان يوافق على امر الزواج .... ويكون برضاه ايضاً ..
ثم خطر على بالها ان يقوم والدها بإرسال الشيخ سالمين الذي كان من اصدقاء المرحوم الى عصام ويطلب منه اقناعه بذلك ..... وفعلا طلبت من ابيها ان يكلم الشيخ سالمين ويطلب منه ان يقنع عصام وأخذ موافقته ... لكنها قد عزمت في نفسها انها ستتزوجه حتى لو لم يوافق عصام ...
وفعلا ذهب حمدان الدواس الى الشيخ سالمين وطلب منه ان يذهب الى عصام ..



(28)
في يوم العيد أفاقت روعة بعد نوم متقطع كان مليئا بالأحلام العذبة التي ترى أنها تنسج خيوط الأمل على شبابيك بيتها...
كانت قد اشترت الحلويات والسكاكر والمكسرات من السوق..... سوف يأتي عصام ليعّيد على اخوانه وكذلك جيرانها وأقارب ربيع الصافي .....
لسنوات خلتلم يكن لديها رغبة للوقوف أمام المرآة طويلاً.. لم تكن تجد لزوماً لذلك.. كانتالمرآة شيئاً مهملاً في حسابها... لكن هذا يوم العيد .....اخذت تنظر الى المرآة ثم تنتقل من غرفة إلى أخرى، تنتحلُ المبرّراتللتريّث أمام المرآة... لقد ايقضت المرآة في داخلها شيئاً ما.. ،.. ذكرتها أشياء وأشياءانها تدرك انها جميلة جدا ً.....تكاثرت النظرات المسروقة الى المرآة.. تعددت مرّات الوقوف السّريع..خفت حركتها قليلاً.. تلاشى النشاط المتوتّر عبر غرف البيت ....أخذت تنظر الى اثاث المجلس ان كل شيء جميل... ثم عادت الى المرآة ....ابتسمت لها المرآة، صافحت وجهَها بعد فراق طويل....
أمعنت النظر جيداً... لم تكن ترى إلا نصفها العلوي.. وجهٌ مكتنز.. خدودمكتظّة ......شباب وحيوية... هالها المنظر وهي ابنة الثامنة والعشرين. هل ستتوقف الحياة بعد ذلك ..... حانت منها التفاتات بلهاءمشتّتة إلى كل الأماكن.... إلى غرفة نومها.. إلى السرير المزدوجالعريض.. إلى مفروشات الغرفة.. تذكرت زوجَها ربيع الصافي..ثم أخذت تحدث نفسها ...
هذا يوم العيد ...يوم يختلف عن غيره لابد أن أكون جميلة جدا ...سياتي إليّ بعض الجارات وزوجه عصام وأقارب المرحوم.... لابد أن أكون فيه أجمل منهن جميعاًَ...
إنها جميله حقاً ...شعر طويل تلعب به نسمات المروحة المثبتة في سقف الغرفة ...كل كنوز جسمها مكتنزة ..
الجمال والنعمة والصبا ...ماذا ينقصها ...لاشئ زادت من درجة المروحة حتى أصبح الهواء يلعب بشعرها ويبعثره.... وكذلك بثوب النوم الفضفاض الزهري ويلصقه على جسمها حتى أصبحت هي تحسد عيناها على ما رأت....
تركت لهواء المروحة أن يلعب بكل شئ في جسمها وان يلصق القميص على أكثر الأماكن حساسية ...مبرزا مكونات أنوثتها وتفاصيلها ...أخذت من زجاجة عطر بعض الرشات ...فكانت مثل الوردة التي يأتي الريح عليها فينتشر شذاها ورائحتها العطرة في كل مكان...استلقت على السرير وأرسلت أفكارها ترعى في صفحات الأحلام وخيالات المستقبل. انها ترى ان كل شــيْ
فيها جميل ..ولم يعد هناك ماتحتاجه.إلا الزوج وعودة الحياة اليها مرة اخرى..
والأمل في الله قوي...ولذلك الأمرعند الله أمداً عسى أن لا يكون بعيداً....
الصبا والجمــال مــلك يديك أي تـــاج أعز من تاجيك
قتل الورد نفسـه حــسداً منك وألقى دمــاه في وجنـتيك

بشارة الخوري
وفي عصر يوم العيد اتى اليهم الشيخ سالمين يعايدهم ويخبرهم بموافقة عصام على ان تتحمل هي المسئولية التي ستنتج عن ذلك الزواج... فوافقت على ذلك الشرط ... وطلبت من والدها إخبار حامد بذلك لكن خوفها ان يتسرع حامد ويتزوج غيرها جعلها تتململ وتستقطع الوقت كي تقول له هي تلك البشارة ...

كان كل خوفها أن تصبح شجرة يابسة عن قريب.. لابد أن تنظرإلى الحياة ...
من لها ...لو مات أبوها غدا.... أين ستبقى ...هل تذهب إلى قارعة الطريق تطلب زوجا.... ام تعود إلى عصام وزوجته تستجدي من يوصلها إلى الدكتور أو إلى السوق أو حتى للنزهة.....لا...هي من حقها أن تعيش هي وأطفالها وتتنزه وتخرج وتسهر .....هكذا الحياة وهكذا تكون متطلباتها ...فلن ترزح تحت وطاة الزمان... لابد أن تجد لنفسها حلاً.... نعم لابد أن تخرج للحياة ولابد أن يكون ذلك سريعاً ومن الأفضل أن يكون هذا الأمر ووالدها على قيد الحياة ولابد ان تتزوج صاحب البقالة الذي اعتذرت منه .... لابد ان تشعره انها قد غيرت رأيها وأنها موافقة عليه .... وليكن ذلك سريعا قبل ان ييأس منها ويتزوج امرأة اخرى .. ...
نزلت الى البقالة لتروي عطش الخوف الذي اخذت حدته تزداد في قلبها .....(لو تزوج امرأة اخرى) ويطير هذا العريس من بين يديها وغدى شغلها الشاغل .. فهي لن تجد افضل منه على أي حال...
نزلت الى البقالة اكثر من مرّة.. لتقول له انها موافقة على الزواج منه وان عصام قد وافق ..لكنها عندما تصل البقالة تجد اكثر من عائق في طريق بوحها له بما في صدرها .... وبما تقفل عليه في فمها من كلام تريد ابلاغه به ...... تحاول ثم يلجمها التردد في ان تبلغه مباشرة دون ان يفاتحها هو بالكلام ... ثم تعود وقد ماتت الكلمات على شفاهها قبل ان تولد...
إن زواج المراة ترى انه ضمان مستقبلها ومحل استقرارها النفسي الذي لا تتم سعادتها بدونه.... رغم ما تجد بعضهن من متاعب من الزوج والحمل والولادة وتربية الأطفال ... هذا اذا كان الزوج رجلاً يحترمها ويقدرها ويراعي مشاعرها .. اما ان كان الزوج همجياً لايحترمها ولا يقوم بواجباته نحوها فعليك ان تتصور حياة تلك المرأة ان ابتليت بمثل هذا الرجل ......
نعم إن الأغصان لاتموت إذا وجدت التربة الصالحة 00بل تتوالد منها أغصان غضه تشق طريقها إلى حياة أوسع شمولا وأكثر عطاء ...
(29)
يشعر حامد بشيء في قلبه يدفعه إلى تلك المرأة لا يعرفه...... كان يحدث نفسه ربما يكون الحب ......لكنني في سن قارب على الثلاثين عاما تقريباً والذي أعرفه أن الحب يأتي في سن المراهقة ...لكنه لم يعرفه في ذلك الزمن ربما لأنه لم يكن متاحاً في وقته فقد كانت همومه اكبر من ذلك ... نعم ربما يكون الحب الذي لم يكن له طرف أخر من قبل يستحثه أو يستنطقه منه.. وقد شغلته مصيبته التي وجد نفسه فيها عن الحب او ما يفكر فيه امثاله من الشباب الأسوياء .......وربما تكون المراهقة قد جاءته متاخرة فلم يكن جاهزا لها إلا في هذه الفترة من عمره.... ربما أن هناك من جاء الآن يحركه أو يطلبه منه.... أو يكون أهلا لهذا الحب الذي يرى انه قويا بقوة الثلاثين سنة التي قضاها من عمره في تعب ونكد ..
إن الحب هو الشعور بالإنتماء إلى شخص تحس تجاهه بالإرتياح والطمأنينة ومشاركته لك هذه الأحاسيس المرهفة وفي كل شئ في الحياة ..0
وقد يكون من اصدق أنواع الحب هذا الذي يأتي متأخراً.... ويكون من الصعب على الرجل أو المرأة الاختيار في هذا السن لإن الفرص أصبحت قليلة ونادرة ........والخيارات محدودة... ليس مثل أيام الشباب...
إن من حقه أن يعيش مثل غيره حياة سعيدة ....ولا مانع ان يتزوج ويعيش مع من يحب حياته الخاصة وإذا كان هناك طرف آخر يبادله نفس الشعور فلابد ان يضع مخاوفه التي طاردته زمناً طويلاً جانباً ويعيش حياته.... بل يمزق ثوب الخوف والرهبة الذي التبسه في سنوات عمره الماضية ...هذه امرأة يرى انها ستسعده لماذا لاينزع عنه ثوب الخوف والتردد وليكن مايكن بعد ذلك .... ان لله في امره ما يشاء ولم يكن له في هذا الوضع الذي وجد نفسه فيه أي ذنب ولاخيار .... ويرى ان هذه المرأة هي المناسبة له ...يرى ان نظراتها له تقول له كلاما لم تفصح به لكنه يقرأه في عيونها والعيون لاتقول إلا صدقا ً.....
إنه يحتاج إلى من يزيد لحظات الفرح لديه .....انه بحاجة إلى العاطفة بعد أن تسرب الملل إلى حياته .....ان الرجل يشعر بنقص عاطفي فيبدأ بالبحث عن من يجده عنده ..... نعم...... من يملاء ذلك الفراغ.... وهاهو قد وجده الآن..

شفتك ولا ادري من قضب بعدك الصف.... ناس كثير وكنهم عندي اشباح
نـورك دعاني عندك الشوف وقف كنه فنار لاح في عين ملاح الامير بدر بن عبد المحسن
هذه ليلة عيد .......حامد لايزال في بقالته ترمق عيناه الشبابيك المضيئة في بيت روعة وهناك بعض الستائر تتحرك فينبعث من داخلها الضوء 00قد يكون اقرب إلى قلبه من لوح الزجاج الذي يغطيه..... الشارع هادئ... أرسل زفرة من صدره ...واخذ يعد الفلوس التي باع بها ذلك اليوم ويضعها في طرف الدرج ثم سحب الكرسي الى خارج الدكان وجلس يحدث نفسه...... لماذا لا تظهر آلام الناس إلا في الليل.....؟.... لماذا لا يشعرون بالوحدة والغربة الا بعد أن يهجع الناس ويذهب كلاً منهم إلى مذهب .؟..فالمريض في جهة والعاشق في جهة والخالي في جهة أخرى ...إن كلاّ يئن على طريقته الخاصة التي يشعر أنها تنفث متاعبه إلى خارج جسده ...
وغالبا ماينتهي هذا الأنين مع طلوع الفجر الذي هو الأمل الذي يتجدد تارة بالإكراه او بالرغبة في الخروج من الوجع الذي قضى فيه ليلته...
ما يمدي الشوق في قلبي يفل الجناح
للفرحة اللي طلوع الفجر يغتالها
ان ساقها الود يمي كل براق لاح
لو ما تهادى مطرها جيت بظلالها
حورية لارتفع فيها النظر واستراح
هيجنت باشواقي العطشى على جالها حنت ظلوعي ولج الضلع الأقصى وصاح
ان بينت بدرها الوضاح وهلالها
ضيدان المريخي
لكن ذلك لم يزيد همومه اكثر من ليلة واحدة فقد اتاه السيد حمدان بشيرا بقبول طلبه بزواجه من روعة في اليوم التالي الذي هو يوم العيد فكان العيد ذلك عيدين بالنسبة له .....
نعم في يوم العيد .. اتاه السيد حمدان بعد صلاة العصر وعايد عليه وأخبره بقبول طلبه في الزواج من روعة .. ثم طلب منه ان يأتي اليهم بعد صلاة العشاء وعزمه على العشاء ايضاَ ..
بعدما اخبر السيد حمدان الدواس حامد بموافقة ابنته على الزواج منه كان حامد يستقطع تلك الساعات المتبقية من ذلك النهار بفارغ الصبر حتى يأتي الليل ليذهب ويرى روعة النظرة الشرعية وإن كان قد قرر في نفسه ان هذه المرأة هي المحطة التي قد نوّخ ركابه في حماها منذ فترة وأن تفكيره لم يتعد مجالها الحيوي حتى لو انتظر ذلك طويلا ً. وبعد صلاة العشاءبوقت قليل اقفل دكانه وانطلق أليهم مباشرة ...
دخل الى المجلس ...كان السيد حمدان الدواس جالساً بين فريد وصدّيقة اولاد روعة ... الأطفال قد لبسوا اجمل الملابس وكأن كل البيت ينتظر الفرحة التي غابت عنهم فترة طويلة...
كانت الكنبات والفرش الوثير ينقله إلى عالم أخر...كان يرى ان الفرح قد التبسته حتى الجدران .. وكانت الطاولات الكبيرة الموضوعة في أركان الغرف والمغطاة بالدمقس المنقوش بأجمل الورود يفتح النفس ويبعث في القلب
نشوة إلى حياة سعيدة طال انتظاره لها .
كان حامد جالسا مبهوتا لايدري إلى أين ينظر....فالعروسة فاقت كل التوقعات وزادت كثيرا ًعلى الأمل والحلم الذي كان يتمناه..... كانت صبية وجميلة جداً..... اما الجو العام فقد كان مفعماً بالرضا من جميع الأطراف...... رائحة البخور تجذبه من أقصاه إلى عالم شاعري يصتك فيه الفرح مع ألامعقول.
استعصت في فمه كل الكلمات عن النطق... وتعابير وجهة جمدت دون حراك وكأن عجلة الحياة قد توقفت في تلك اللحظة.
كانت الجلسة ثلاثية بين روعة وأبيها وحامد وكانت القهوة زاكية جداً وطعمها به لذعة الهيل والزعفران التي لم يعرفها من قبل ... وكانت روعة هي التي تصب القهوة .....مما أدى إلى عدم اقتناعه بالفنجان الأول... ولا الثاني ..ولا الثالث...حتى لو كان سطلاً لشربه. في تلك اللحظة جمع حامد بقايا صوته المتقطع من الفرحة او من الدهشة او من شعوره بالتصاقه بالناس اللذين اتجه اليهم قلبه... وطلب يد روعة على سنة الله ورسوله...
بعد أن طلب حامد يد روعة كانت هناك موافقة جاهزة من روعة وأبيها إلا إنهما اشترطا أن يعيش حامد معهم وكل شيء سيكون متاحاً ومجهزا من قبلهم..فتم الإتفاق على ذلك واتفقا على أن يحضر المأذون بعد صلاة العشاء. في اليوم التالي ..
وفي الغد .....جاء المأذون وأبو اسعد وعصام وأخوانه وعبد الفتاح وتم عقد القران ثم كان العرس بعد ذلك بفترة قصيرة ورغم أن الحفلة كانت مختصرة.لكنهما بقيا في شهر عسل فترة طويلة...
تزوجا.... وكلا منهما قد هرب للأخر ... وعند اللقاء ايقنا انهما وصلا إلى بر النجاة الذي كانا ينظران إليه من بعيد..
... فكان حامد كما قال الشاعر :
جيتك بقايا حي كل أكـــثره مات وصلت لك باخر رمق من حياتي
جيتك خوى الخوف في رحلة الذات بين الرجا وظروفي القاســياتي
....................
(30)
ذات يوم دخل خالد الى البقالة .فأذا هو امام حامد (ذلك الصديق القديم الذي وجده قبل فترة في سوق السمك) فعرفه تماما لكنه لم يلق له حامد بالاً ولم يعرفه. وأخذ منه بعض العصيرات ودفع ثمنها وانصرف دون ان يكلمه او يلفت نظره او يتعرف عليه ثم توجه مباشرة الى كبينة التلفون واخبر الضابط بما وجد.
ولم يمض على ذلك فترة حتى ارسل له الضابط من يختلق معه مشكلة..... نقل بعدها حامد الى التوقيف وتولى الملازم فهد التحقيق والتباحث معه..... ثم اودع حامد الى غرفة التوقيف لإن المدعي لم يسقط حقه كما قال له الضابط فطلب منه ان يسمح له بالإ تصال بزوجته واخبرها بالموضوع ....
اتصلت روعة بأبو أسعد وأخبرته بالموضوع وهو بدوره ذهب الى مركز الشرطة وبحكم معرفته بكثير من رجال الشرطة اطلعه الضابط على كل الموضوع وأخبره ان حامد ينتظر مفاجأة سارة لم يكن يحلم بها وأن موضوع المشكلة والتوقيف كلها صورية من اجل اقفال ملف القضية وخوفاً من هروبه وطلب منه ان يبقى الموضوع سراً ..... وأخبره الملازم فهد انه اراد بذلك كسب بعض الوقت حتى يتمكن من البحث عن والده وكذلك اصحاب السيارة اللذين تسببا في مشكلته ثم العمل على مقابلتهم جميعاً والتعريف بينهم كما وجه له دعوة بحضور جلسة المقابلة... وطلب أبو أسعد من الضابط مقابلة حامد فسمح له ..بعد أن طلب الضابط من أبو أسعد ان لا يخبر حامد بذلك...
ما ان قابله حتى بدأ حامد منفعلا وطلب من ابو اسعد ان يخرجه بكفالة..
- انا جيت علشان كذه بس هم رفضوا ...
- يابويه هوه ما صار شيء... هواش كذا بس هذا الضابط نكدي ولا يبغاني اطلع ...
- انت الله يهديك تكلمت على الضابط وعلى العسكر ( وكان يتكلم معه ويضحك )..
- انت وش فيك تضحك...؟
- ابدا موضوعك مافيه مشكلة كبيرة وأنت لا تنزعج فالموضوع بسيط .. وبكرة او بعد بكرة بالكثير تطلع ..... الله يانا حا سوي لك حفلة اكبر والله من حفلة عرسك ...
- يعني انت مبسوط من سجني ..
- جدا... لكني لن يكبر فرحي بعد..( انت بحاجة الى الراحة... كان لابد لك ان ترتاح....) ..
- والدكان مقفول....؟
- ياعمي كل شيء فداك .... احنا لازم نسوي لك عرس ثاني وترى كل شيء على حسابي...( ثم ذرفت دمعة من عين أبو أسعد ) وودعه وانصرف بعد ان ترك حامد في حيرة من تلك المقابلة ..بل من تلك الدمعة التي خرجت من عين أبو أسعد...!!!!!
بدا الملازم فهد في البحث عن والده وقد ساهم معه في ذلك النقيب حسين الذي اخذ مع الملازم فهد بالتجهيز لإغلاق ملف القضية.. وكان الرقيب صالح هو المساعد الأساسي للملازم فهد وعندما ادخل حامد الى غرفة التوقيف كانت ملامحه مألوفة لدى الرقيب صالح ... وأخذ يتذكر اين شاهد هذا الموقوف من قبل .. وبعد ان غادر الملازم فهد المكتب دخل الى غرفة التوقيف وأخذ يسأله بعض الأسئلة ..
- انا شايفك قبل اليوم .. بس ما ادري وين شفتك...؟
- وأنا شايفك ...بس ما أدري فين ...
- انت فين كنت تشتغل ....؟
- عندي بقالة في باب مكة...... قريب من مطعم السمك ...
- لا...... أنا شايفك قبل مدة طويلة ....
-... ما ادري ....(كان في صوت احمد بحة مميزة)..فعرفه منها ..
- يوم مات الملك فيصل الله يرحمه.. انت ماكنت تحرس عمارة في طريق المدينة....
- الا ...صحيح ... انت صالح ..
- نعم انا صالح ...الللللللللله.. ( ثم قام اليه يعانقه..).. تذكر يوم وديتني المستشفى.. يوم تعرضت لضربة شمس .. الله يبيّض وجهك .. هذا الجميل انا ما انساه .. لقد رجعت الى المكان الذي كنت تعمل فيه لكنني لم اجدك ..
- صحيح لقد تركت العمل هناك ..
- طيب تريد مني شيء..؟
- اريد منك ان تتوسط لي عند هذا اللي ابتلاني ورماني في غرفة التوقيف بدون ذنب علشان يتنازل وبعدين تفكوني اروح لأهلي وشغلي ..
- لكنني لا ادري اين هو الآن...( آه لو تدري بالمفاجأة التي تنتظرك... )
- ساعدني يا ابن الحلال ..... حرام عليكم .. انا ايش سويت..
-..........(..... كاد ان يقول له شيء عن الموضوع لكن خوفه من الملازم الجمه عن الكلام ...).. قال له.. : ان الملازم فهد مهتم بإمرك كثيراً وسيتوسط عند ذلك الرجل وينهي الموضوع من قبله .. انا متأكد انه يسعى جاهدا لإنهاء الموضوع .. وقد قال لي الملازم ان هناك مفاجأة سارة في قضيتك ... ربما ان الرجل قد تنازل... وبكرة سوف ينتهي الأمر بحول الله وقوته .. ثم استأذنه وخرج وهو يتململ .. يريد ان يخبره لكنه لا يستطيع ...

(31)
كان حمزة خلال هذه الفترة تحت المراقبة فتم استدعاؤه وإيقافه في مركز الشرطة وبداء الملازم فهد التحقيق معه..
- الاسم...؟
- حمزة بكر ابو سليمان ..
- العمل ..؟
- صاحب ورشة إصلاح سيارات ..
- العنوان...؟
- حارة السبيل
- العمر...؟
- 48سنة ........
ثم وضع الملازم فهد قلمه واخذ يتحدث مع حمزة شفهيا فقال..:
قبل مايقرب من ثلاثين سنة صدمت سيارتك طفل امام منزل اهله ثم نقلته وتركته امام مدرسة البنات في باب شريف والطفل موجود لكن هذه المعلومة كانت غائبة عن الجهات الأمنية و ادت الى ضياع الطفل وتبنيه من قبل أناس غير اهله... ومع اقتراب انتهاء القضية نريد ان نسمع منك كامل التفاصيل وثق تماما ان الشاب موجود ولكن لابد من اكتمال اجراءت التحقيق حتى يقفل المحضر ....
- قابل حمزه هذا الكلام عندئذ بانكار الموضوع جملةًً وتفصيلاً وقال انه لا يوجد لهذه القضية أي اساس في تاريخ حياته ..
عند ذلك حاول الضابط ان يظهر له الجانب الخشن في شخصيته العسكرية....... وقال ان الموضوع عليه شهود وان زميله قد اعترف.... وليس أمامه إلا الإعتراف...ومن ثم القيام بتمثيل القضية على ارض الواقع وانه بقدر تعاونه معه.... فان العقوبة سوف تخف وهناك احتمال اذا تنازل صاحب القضية ان لا يكون عليه أي جزاء او عقوبة مقابل تعاونك لإيضاح الصورة ..
- (عندما سمع حمزة ان هناك شهود وان زميله الذي كان معه في السيارة قد اعترف ادرك انه ليس امامه إلا شرح القضية كاملة.)........ثم قام بسردها كما حدثت.. بعد ذلك طلب الملازم فهد من بعض معاونيه اصطحابه الى مكان وقوع الحادثة لكي يقوم حمزة بتمثيلها على ارض الواقع..... ثم قام حمزة بعد ذلك بكتابة الواقعة على إضبارة تحقيق وأرفقت بالمعاملة الأصلية وتم ادخاله الى التوقيف ...

(32)
تتناثر على شرفات الزمن المرّ ايام حليمة المبعثرة بينما كانت تحاول ترتيب أوراقها وأحلامها الباهتة احياناً والمتألّقة أحياناً أخرى. تمرّ الأيّام.... ترحلالسنين وتخلّف وراءها ذكريات مؤلمة أكبرها اختفاء فوزي ثم زواج جابر وحالات متفاوتة المذاق.. فحين أدركت رتابةالحياة، وحين استيقظ وعيها من سبات فرضته عليها الايام القاسية من حياتها وعنت حاجتها الملحّةللأمنيات، ووضعت أحلامها أمام عينيها تريد ان تدب الحياة الى عالمها من جديد بعدما ضلت وحيدةً في المنزل.. كل شئ حولها يوحي بالرتابة والجمود والإنقطاع....وفي ليلة من ليالي الصيف الملتهبة وبعدماذهب زوجها جابر كعادته إلى المقهى (هكذا عرفت من سماعها وقع اقدامه وهو نازل من الدرج ...... لقد أصبحالمقهى بيته الثاني بل الثالث بعدما تزوج من تلك الفتاة الشابة فريال) .... أخذت تتذكر كيف انه تزوجها فجأة ..... ثم نسجت زوجته الجديدة خيوطها حوله .... تشعر انها كانت قد أخطأت في حقه وتتحمل الجزء الأكبر من ذنب القطيعة .. لقد كابرت ظناً منها انه لن يعملها ... لكنه ربما انه قد وجد عندها الشيء الذي كان يتمناه.. الكلمة الطيبة والسكن المرتب النظيف ...نعم هذه كانت طلباته ...... الآن يقضي المساء والليل ساهراً مع أصحابه ... منذ سنوات تعود على السهر هناك حتى ابتلعه المقهى لقمةً سائغة...‏ .. كانت ترقب عودته بعد ذلك كل ليلة وتتمنى ان يعود اليها... فهو لم يعد ينام في شقتها .... ان البيت بدون رجل ليس له قيمة.... انه بيت بارد ... او مهجور حتى وأن كانت تعيش فيه امرأة مثلها ...
طالانتظارها على أرصفة الإنتظار.... والزمن كلبمسعور ...سئمت حياتها الروتينية البليدة التي لا تنتهي متاعبها ..تحس بسجنها وضيق الخطوات التي تسير بها في تلك الشقة.... ويمضي الوقت... يزورها ابنها ابراهيم بين وقت وآخر اما هاني فإنه يسكن في الرياض مع زوجته ...
المنزل يجلّله الصمت.. صمت مطبق.. غرف البيت مكدسةبأثاثٍ مختلفِ الأشكال لم يستخدم منذ زمن .. نظرت الى الشارع ... بل الزقاق من نافذة الغرفة.... تسحب قدميها وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة.. تحاول بنظراتها ان ترتب الموجودات....او تعيد الأمورإلى نصابها.... تريد ان تعيد العلاقة مع زوجها......... نعم لقد اعطته المبرر لكي يجدد حياته مع زوجته الجديدة ويتركها لتذيبها الليالي ببطء... ان الوردة اذا قطعت من الغصن لا تلبث ان تذبل ثم تموت ...... تذكرت قسوته عليها بزواجه الذي قصم ظهرها .... انه قاسي .......ذلك الرجل الذي سرق منها اجمل ايام العمر ثم خلعها من حياته مثلما يخلع قميصه .. نعم جابر... زوجها الذي أحبته كثيراً.. غير انها شريكة في تحمل المسئولية فيما آلت اليه الأمور لقد حاول وطلب منها ان تتحول الى امرأة عصرية .. لكنها لم يعد في مقدرتها ذلك .....لقد تقدم بها العمر ولا تستطيع.. ثم انها ترى ان التصابي في هذا العمر فوق طاقتها .... ثم ً تسأل نفسها ...هل سيعود اليها في يوم من الأيام .... نعم سيعود .... لازالت تحبه .. وهو لازال يحبها ولوسنحت لها الفرصة لأعادته اليها... هل تعترض طريقه عندما يعود الليلة من المقهى وتستسمح منه ... قد يفرحه هذا الأمر .. لا يجب ان تتركه لفريال اكثر من ذلك .. ان قلبها يقول لها انه يحبها .... وانه سيعود اليها ... ربما كان ينتظر الإشارة التي لم تشعره بها خلال هذه الفترة ...... ونبضات قلبها لا تكذب .... كانت واقفة طويلاً أمام الشباك تعبث أصابعُها بكل أجزاء جسمها.. تبعثرتنظراتُها التائهة مع عناصر شتىّ.....تغلق الشباك ثم تمشي من غرفة الى اخرى ..
كانالليل خارج البيت لا يزال حاراً تزيد حرارته الرطوبة الخانقة ...وفوح الجدران تلهب جو الغرفة عندما تعبث بها مروحة السقف بشدة...
داخل ذلك الزقاق الضيق المجاور للبيت لا تزال أقدام المارة تعبث بسكونه.... رياح البحر تعزف ألحاناًحزينة على شبابيك الغرف هامسةً حيناً... وعاصفة أحياناً أخرى ... تلك الليلة.. كانت الأولى منذ فترة طويلة التي ضاقت بهانفسها عن كل شئ.‏
اعتصرها الخوف والتنبؤ. هناك منادي ينادي من داخلها لا تدري ماذا يريد ... لكنه يريدها ان تذهب الى الباب فتفتحه ..... كانت ترى ان هناك فرح ينتظرها ...قد تأخّر كثيراً عنها ... طالت ساعات تلك الليلة ولّما يعد زوجها من المقهى بعد .....لا ... لن تعترضه هذه الليلة.... ان سيارته ليست في مكانها . لقد تأخر كثيراً على غير عادة منه. اقتربتْ من النافذة..أنصتت.. فتحتْ درفتها الصغيرة... سيأتي غدا عندما يكون عائدا ً من السوق بالفطور سأعترضه وأ ستسمح منه .....
سحبتها النظرات التائهة على بساط ناعم من الأحلام والذكريات.... أعادتها الى أيام بعيدة خلت.. تلونت الأحلام بألوان طيف جميلة وعذبة احيانا ً وملوثة بالدم والدموع أحيانا أخرى .. استيقظتالذكريات حادةً من مرقدها ...... تذكرت فوزي ... حفرت تلك الذكرى في نفسها أخاديدَ عميقةً نازفة... استسلمت لهواجس مكررة... ممزِّقة....أذنٌ ترصد النافذة.. وعيونٌ زائغةٌ تخترق الظلمة خلف ابواب الزمن المر الذي قد عبرته خلال الفترة المحروقة من عمرها ...وحوار مع الذات أشبه بالبكاء يبني خيوطه حول الأعصاب ونبض الدم. آهٍ..... يا فوزي هل ستعود .... لقد تأخرت كثيراً...
لقد هدّني الإنتظار. ترى.. هل ستطرق الفرحة باب بيتنا في يوم من الأيام. الله اعلم ...؟.
ربما ......أحس ان الأمل يتضوّع في داخلي ...يعود عبير الحياة في جسمي بعد أن تلاشى أياماً وسنين .....تنتصب فيشراييني فقاعات الحب والأمل والرضا.. آهٍ... ثم أحست بحركة حول الباب ...
قفَزتنحو الباب بهمّة فتاة شابة .. فتحته .... تسمّرت في مكانها، ضغطها الخوف والألم واختلطت الأشياء أمامعينيها. كانت خواطرها مجرد أوهام او أضغاث أحلام ...
. مدّت يدها متكاسلة فمسحت دموعاًواخزة غزت خدّيها وانحدرت هي الأخرى بطيئة حائرة.....
. طرقاتمنبهةٌ مخيفةٌ قرعت صدر الأم وقفت خلف الباب كمن يواجه شبحاً مخيفاً. تحولت الى النافذة، أصغت بعمق لكنها لم تسمع شيئاً الا الخوف وإرتعاشة كفيّها ترى ان قلبها يدق بقوة ... أخذت تلوب فيفضاء غرفة النوم البائسة..... تستنجد شيئاً ما يغرسُ في قلبها الصبر والعزيمة.
تلكالمحطّات لم تكن ترغب في العودة إليها..... إلاّ أنها سقطت في متاهاتها على الرغممنها... وراحت تغوصُ في أوحالها..‏ ودار راسها يستعيد ذلك اليوم المشؤوم من حياتها ..
انها تلك الحادثة التي لم تزل بذاكرتها عندما سمعت صوت سحب عجلات تلك السيارة في الشارع ثم أعقبها صرخة فوزي عندما كان في الثانية من عمره ..... ثم لم تراه منذ ذلك اليوم...
. كان مثل الوردة المتفتحة بين اخوانه. يكبر فيكبرُ حبه معه.. ..... فجأةً.....دُقَّ جرسُ الانذار ثم خطفه القدر ... صوت مفاجئ يقطع صمت الغرفة .انه صوت ساعة الحائط معلنة الساعة الواحدة صباحا...
الله .... ما اطول هذه الليلة ..... كل شيء فيها يشعر بالقلق.
كان الخوف ينهشُ قلبها.... ويعِقدُ لسانها.. توجهت إلى الباب مرة اخرى ثم فتحته لا شعورياً.. كانت تريد ان تسأل عنه حتى الجدران .. ثم عادت عيناها تحمل خيبة الأمل وتطبق اجفانها عليه ....أغلقت الباب وراءَها، وراحت تستعيد المفاجأة... .. نسيت البيت والمقهى الذي ذهب اليه جابر والعمروالزمن الذي كانت تسحبه خلال هذه الفترة ........ اعتصرتها تلك المحطة المتعبة بعنف.. تراخت بجسدها المتعب إلى كرسي خشبي عند باب المطبخ .. رذاذٌ منالتعرق ألهب جسدها. عاد التوتر يأكلها بنهم. استسلمت لهواجس مؤلمة جلدت أعصابها .... حاولت النهوض فلم تستطع أحست أن جسدها يرتجف وإن الخوف والسأم من الحياة قد تضاعف ......غدت كأنها عاجزة لا تستطيع ان تقوم من الكرسي لكنها استجمعت ما تبقى من عزمها المبعثر ثم هبّتواقفة..... حانت منها التفاتة إلى الساعة المعلقة على الجدار قرب المرآة.. لسعتهاالدقائق ألتي تسير ببطء...... تناولت شالها الخفيف وفتحت الباب مرة اخرى ......كانت لا تزال تجر الحسرة والألم.الذي اعادها الى الزمن المر الذي تحاول القفز من فوق اسواره....
..... لاشيء....... نعم لا شيء كانت ترى ان هناك صوت يناديها ..... ربما يكون صوت فوزي .. لماذا تتذكره في هذا الوقت .....؟ لماذا ترى انه قادم وأنه سيعود بعد هذه السنين.. ؟... من اين ذلك الإحساس .؟..لماذا الآن...؟... قلبها يقول لها كلاماً لا تفهمه... يقول ان فوزي قريب....


(33)
كان السيد جابر العلوي جالساً في بيته فاتصل به الملازم فهد بالتلفون الذي وجد رقمه في دليل الهاتف وعرفه بنفسه وذكره بتلك المعاملة التي طال عليها الزمن المتعلقة بضياع ابنه فوزي. وطلب مقابلته. فاستقبله في البيت وسأله عن ابنه الذي فقده قبل حوالي ثلاثين سنة وان كان هناك اخبار جديدة عنه ..؟
- ابدا لانعرف له اثر...وربما انه قد مات ...ماعندنا منه خبر ابداً...
- هل تقاعدت ...
- نعم .. خلاص تركنا العمل ... كبرنا ..
- اعتقد انك لو قابلت ابنك الان فلن تعرفه ......اليس كذلك ..؟
- نعم هذا صحيح لكن ..خلاص حكم القدر ..الله ينتقم من اللي كان السبب ..
- هل تعرف اللي كان السبب ..؟
- لا والله ....الحرمة شافتهم..... وهم رايحين به في السيارة كانوا أثنين زي ما قالت لكنها ما لحقت عليهم وما كان فيه سيارة والا كانت لحقتهم.......يمكن قتلوه ...
- ايش يبغوا فيه يقتلوه ... هذا طفل صغير ..
- اذاً راحوا به فين.... انا دوّرت في كل المستشفيات .. وبحثنا في كل مكان والشرطة بحثت ولاحصلناه ..
- لعل الله ... وهو القادر على كل شئ ...ان يرده لكم ...
- نعم..... الله قادر على كل شئ ..
- طيب امه المسكينة ..
- امه ... الله يكون في عونها المسكينة ....
- الله يعينها ...طيب اسمح لي انا ابغى اروح ...
- لكن قول لي قبل ما تروح .. ...زملاؤك اللي كانوا أيام القضية ..... تقاعدوا بالتأكيد .... اليس كذلك ..؟.
- نعم هذا صحيح لكنني انا الآن اعمل في لجنة لمراجعة القضايا القديمة وعندما لقيت المعاملة قلت لابد ان اسأل...يمكن الله سبحانه قد رده لكم ....
- على كل حال مشكور ...ونحن ننتظر الفرج من الله... ولو إنني اقول ان بعد هذه الفترة .....الأمل ضعيف جدا ..
- يارجل ....خلي إيمانك بالله قوي....
- توكلنا على الله...
ذهب الملازم فهد بعد ذلك الى النقيب حسين واتفقا على الطريقة التي ستنتهي بها القضية والترتيبات التي ستتم لذلك وكذلك ابلاغ مدير الشرطة وإطلاعه على قائمة اسماء المدعوين للجلسة النهائية ... واتفقا ان يذهب الملازم فهد الى السيدة رمزية لإكمال بعض التحقيقات معها وكذلك إشعارها بطريقة حضورها الجلسة ..
وفعلا ً توجه بعد ذلك الملازم فهد الى السيدة رمزية وهناك قابل خالد ..
كان خالد في ذلك الوقت هو الشخص الوحيد الذي يعلم ان حامد موجود وأن الملازم متحفظ عليه في ادارة الشرطة ...
وأحذ الملازم فهد يستوضح كل مايمكن ان يفيده في التحقيق من جراء حياة الغلام عند تلك المرأة ومقدار المسئولية التي تتحملها من جراء اخفاء موضوع الغلام عن الشرطة وان كانت هي ترى انها قد عملت الصواب بتبنيها الغلام ورعياته خوفا عليه من الضياع او ان يقع في ايد غير امينة وكانت لاتزال ترى انها قامت بدور كبير في تربية حامد ورعايته..... كما ابدت له رغبتها في طلبها مساعدة من الدولة لقاء مساعدتها والمساهمة في توضيح الصورة للمسئولين..
كما اخبرها الضابط ان هناك جلسة ستكون لاقفال ملف القضية سوف تحضرها السيدة رمزية وان عليها ان تشرح قصة الغلام من بداية عثورها عليه حتى هروبه من البيت..... وعن كل الحيثيات التي يطلبها منها في الجلسة هو او ايّ أحد من الموجودين الذين سيكونون حاضرين معه كما طلب من خالد ايضا ايضاح بعض الجوانب السلبية والإيجابية في حياة حامد بصفته جاره وصديقه عندما كان في القرية .......وتم الاتفاق على كل شئ ثم غادر الملازم فهد الوادي وعاد الى مدينة جدة.




(34)
قبل الجلسة بيوم واحد تم أستدعاء حامد من غرفة التوقيف إلى غرفة الملازم فهد وبدأ معه بالكلام...
- من اين انت ياحامد.
- (أطال النظر في الضابط ).....ثم قال ...:أنا سعودي .
- من فين من السعودية.
- من جدة.
- من جدة وإلا من مكة.
- كلها سوى.
- ماعلاقتك بالسيد مستور الجميل وزوجته رمزية.
- ( شك حامد ان السيدة رمزية قد تقدمت بشكوى ضده )أنا ما أعرفهم.....ماذا تريد مني بالضبط.....انا لي أربعة ايام في التوقيف وأنا ما أذكر انني عملت شيء.
- بلى عملت ونحن لم نحتجزك الا على قضية المضاربة التي حصلت في البقالة ...
- يا أبن الحلال ....هذه ما هي مضاربة ....هذا هواش ويحصل في كل مكان وفي كل يوم.
- لكن الرجل أدعى انك ضربته.
- هو ......كف مني وكف منه......وصلى الله وبارك.
- يعني أنت مستعد تتنازل عن حقك.
- يا عمي متنازل....فكّوني بس أطلع أشوف شغلي.وأشوف اهلي ..
- ما قلت لي...... ما هي علاقتك بمستور الجميل .
- هذا أبي......لكنه توفى فماذا تريد منه .
- جاء واحد اسمه خالد ...يسأل عنك في التوقيف ويقول انه قريبك وكان يبغى يكفلك .
- ما قصّر الله يجزاه خير.
- أنت من فين تعرفه.
- صديق قديم من زمان .. بس ايش اللي عرّفه اني موجود هنا ..
- ابدا هو زميلي برضه ..
- هو يشتغل هنا..؟
- لا بس انا اعرفه من أيام الثانوية وعندما جيت وقت المشكلة كان موجود وعرفك ..
- يعني .. انا نسيته ولم يعد لي به علاقة ..
- ايش يعني.
- ما فيه يعني.....هذا اللي قلته.(كان يرد على اسئلة الضابط بكراهية)
- يابويه ابشر بالفرج.....ابشر بالفرج.
- .............لم يرد......(.وأنذهل ينظر ما يعنيه هذا الكلام )...
- أقول لك.... ابشر بالفرج.....أنت لست ولد حرام... زي ماقال لك ذلك الغلام النذل......أنت لست لقيطا .....انت الآن من أسرة طيبة وأهلك موجودين وأبوك إنسان طيب وموجود ولازال يبحث عنك.
- .... لم يرد....... بل اندفع يبكي ؟
- ... اسألني كيف ...أنا أقول لك كيف.....ثم شرح له القصة كاملة ...
- ولماذا تسجنوني إذا.
- لا بد ان يجي أبوك يستلمك.
- ليش.... أنا لازلت طفل في نظرك.
- لا.......لكنك عهده عندنا حتى يجي صاحبها..وايضاً نخاف انك تهرب ..
- إذا... أين أبي....؟
- أبوك موجود في جدة.
- وأمي.
- وأمك... موجودة ايضاً.
- أريد أن أراهما الآن......ياما.. أنت كريم يارب.....ياما أنت كريم يارب. ثم انفجر يبكي بصوت عالي ...
- غدا .... ستقابل.. أبوك في جلسة إقفال المحضر وتروح معه الى البيت.
- أريد أن أراه الآن. (عند ذلك تذكر ماذا يعنيه أبو أسعد من كلامه عند زيارته له.. وتلك الدموع التي سقطت من عين أبو أسعد حينذاك...)
- غدا ستقابله ....وستقابل خالد وأمك رمزية والرجل الذي صدمك بالسيارة......وكل الموضوع اصبح شبه منتهي....لكنني لا اريد أن يكون الموضوع مفاجأة لك في الجلسة.
- أريد أن أتعرف على أبي قبل أن تكون الجلسة .. ارجوك .....فأنا الآن.....لا تسعني الدنيا فأكمل جميلك وقابلني بأبي قبل الجلسة.
- سوف أحاول.
خرج الملازم من عند فوزي بعد أن وجد أنه من المفيد فعلا أن يتقابل مع والده قبل الجلسة فركب سيارته وذهب إليه.
وجده جالساَ في بقالة كانت في اسفل العمارة التي يسكن فيها وكان يظهر عليه.سوء الحالة النفسية والإكتئاب فدخل البقالة وجلس أمامه ثم قال.
- أبشر ياشيخ جابر بالعلم الطيب......
- بشرك الله بالخير.
- لقينا ولدك فوزي وهو بخير وبصحة جيدة.
- وش قلت....؟
- قلت لك لقينا ولدك فوزي...
- وأين وجدته.........
- وجدته في جدة.
- في جدة عندنا.
- نعم في جدة ..
- قام من مكانة وأخذ يقبل الملازم فهد ويبكي....أين هو ...أريد أن أراه بالله ياشيخ وريني هوه.... الله يوفقك.
- لابد الآن....؟
- أيوه ... الآن....دا الحين الله يوفقك ...... ....لازم اشوفه الآن خلي جميلك يكمل..... الله يبيض وجهك..... وأخذ يكرر هيا هيا.....حتى اخذه في سيارة الشرطة وذهبا الى المكتب ...وصلا إلى غرفة التوقيف ... ومن الغريب أنهما عندما تقابلا كانا يعرفا بعضهما وكلاً سلم على الأخر بحرارة المعرفة وأخذا يبكيان بصوت أبكى معهما حتى الضابط فهد الذي قال عندئذ ...:
- أنتم تعرفون بعض...على كذا.
- هذا أبي...قال ذلك فوزي ........؟
- نعم ....هذا أبوك.... أنت تعرفه.؟
- نعم أعرفه......هذا اللي قطع لي بطاقة في الأحوال المدنية عندما أرسلني إليه أبو أسعد.
- صحيح أنا اللي عملت لك بطاقة.
وأيش وداك عند أبو أسعد.
قصتي طويلة احكيها لك بعدين ..
- أجلس هنا واقصص عليه القصة بكاملها ( على فكرة يا سيد جابر ترى اسم ولدك حامد سموه الناس الي ربوه وبكرة ان شاء الله تتعرف عليهم وبعدين انت عدّل اسمه وهذه امور انت تعرفها فقد كنت تعمل في الاحوال المدنية ) خليك أنت وابنك في الغرفة اللى جنبنا وخليّه يقص عليك الحكاية حتى لا تكون جلسة الغد مفاجأة لكما.
تعانقا كثيرا وبكيا كثيرا وطلب السيد جابر إطلاق إبنه بكفالة على أن يحضرا في الغد سوياً لإقفال محضر القضية.
لكن الضابط تعذر بالرجل الذي حصلت معه المشكلة ولا يمكن أطلاق سراحه ألا بعد أن يسقط الرجل حقه عن فوزي وأكد لهم أن ذلك سيكون غدا.
عندما عاد جابر الى البيت ذهب الى زوجته حليمة ليخبرها بما حصل ......
لم يتمالك مشاعره فمنذ أن دخل من باب الشقة أخذ يبكي ..مما شد انتباهها فأتت إليه لا تلوي على شيء..... تستوضح الأمر.
- الله يا أم إبراهيم ..أبشري بولدك فوزي.
فوزي........وتصلبت ثم سقطت في مكانها. كان إبراهيم وزوجته عندها ... وأخذوا يقومونها ويرشونها بالماء.... حتى صحيت ..
- وين فوزي يا أبو إبراهيم ...؟.
- فوزي موجود وأنا كنت عنده قبل قليل.
- ليش ما جبته معاك.......روح جيبه.
- بكرة بيجي وتشوفيه إن شاء الله.
- ليش بكرة ..... نروح له أنا وأنت الآن.. أن كان ما يقدر يجي.....فين وجدته.
- وجدته الشرطة.......الله يبيض وجوههم.
صار راجل.....صار قد إبراهيم ...صار ما شاء الله عليه.... يعجبك.
- وريني هوه.... الله يوفقك وأخذت تبكي..
- أنا قلت لك بكرة...يعني بكرة....بس أنا جيت أبشركم...
- الله يبشرك بالخير..أجلس يا أبو إبراهيم أجلس عندنا... الله يوفقك ...
أجلس يا خويه.... إذا أخطينا عليك سامحنا..وأخذت تقبل رأسه وكفيه سامحنا يا أبو إبراهيم ......هذي عشرة عمر....
- أتوكلي على الله روحي سوي لنا كاسة شاي وبعدين أروح...
- تروح فين.....اليوم بالله ما تروح من عندنا.....يمكن عودة هذا الولد ترد الألفة التي فقدناها من زمان..
- أنتم اللذين أوصلتمونا إليها....
- ياخويه إحنا آسفين وندمانين وسامحنا .... والله ما كنت كذا بس الزمان...
- خلاص انا اجي انا وفريال الليلة ونجيب العشاء معانا وإذا خرج فوزي بكرة نسوي العشاء هنا .... بس .... هاه.... ما تسمعونا كلام من اللي تعرفيه يا أم إبراهيم ..
- خلاص يا خويه أنت وهي على راسي خلاص سماح والله إنّا اخطينا عليك .. سامحنا وعفى الله عن ما سلف ...
- خلاص توكلي على الله .... أنا من ناحيتي سماح ..
- وإحنا كذلك.......
(35)
وفي اليوم التالي وبالتنسيق بين جميع الأجهزة الامنية كانت هناك ثلاث دوريات مطلوب منها إحضار السيد جابر وكذلك السيدة رمزية وايضا السيد حمزة وزميله من السجن وتم احضارهم جميعا الى ادارة الشرطة ..
ادخل الجميع في صالة كبيرة قد جلس في وسطها مدير الشرطة ومندوب من الامارة وكذلك الملازم فهد وكبار ضباط الشرطة بالاضافة الى احد مساعدي مدير المباحث وكذلك النقيب المتقاعد حسين وهناك جلس حمزة..... وبجانبه زميله عدنان محفوظ... وبجانبه ايضا السيد جابر العلوي و السيدة رمزية وخالد السليم وتم حضور المدرسة ايمان ايضا ً وأبو أسعد ثم ادخل حامد (فوزي ) القاعة ....كان الجميع عندهم المام بالموضوع لماذا احضروا... وماذا سيقال لهم.... السيدة رمزية وخالد السليم وجابر وكذلك النقيب حسين ومديرالشرطة وبعض ضباط الشرطة كانوا يعرفون الموضوع بكامله لكنهم يريدون سماع الموضوع من عناصره الحقيقيين.... كانوا يريدون ان ياخذ الامر هذه الهالة القوية من كل الجهات الأمنية.. وطلبوا من اللجنة الاعلامية في الشرطة الحضور وتغطية الحدث كاملاً..
بدا الكلام الملازم فهد ...
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله .
سعادة مدير الشرطة ..وفقه الله ..
سعادة مندوب الأمارة وفقه الله
سعادة مساعد مدير المباحث وفقه الله ..
سعادة اخي الأكبر وزميلي النقيب المتقاعد حسين ابو طرف وفقه الله..اخواني وزملائي الضباط ....اخواني الحضور ...
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وبعد....يسعدني ان أقدم بين يديكم انجازا فريداً تم بتظافر الجهود الأمنية بعد غياب للحقيقة استمر فترة طويلة ....ثلاثون عاماً تقريباً..... لكن مع الإصرار والعزيمة كان العمل كبيراً والانجاز رائعاً انه ( اكمال مهمة بعد حوالي ثلاثين سنة ) وهنا أريد ان اسمي أصحاب الفضل ولكل من الذين عملوا معنا فضلا ومعروفا لكنني اخصّ اخونا الكبير النقيب المتقاعد حسين ابو طرف وكذلك المدرسة إيمان في مدرسة باب شريف وكذلك الخالة رمزية والأخ خالد كما اشكر زملائي اللذين عملوا معي للوصول الى الحقيقة ولن أطيل عليكم فأنا أريد ان يتكلم كل من ساهم معنا بلسانه حتى تكون الصورة واضحة فليبدأ اخونا النقيب حسين.. .فقال :
- انا كنت اعمل في شرطة مدينة جدة وقبل ثلاثون سنةتقريباً تقدم لنا السيد جابر العلوي وافادنا بأن ابنه فوزي وعمره قرابة السنتين في حينه .. قد فقد وان سيارة قد صدمته وحملته معها وكان يفترض ان الذين صدموه قد نقلوه الى المستشفى لكنهم لم يجدوه في المستشفى وتم أبلاغنا بذلك وعملنا كل جهدنا للبحث عن الطفل المفقود فلم نجده وتم البحث في حينه وكانت قضيتي عندما كنت على رأس العمل.... ولا أزال أذكر القضية ورقمها 411..... وتقاعدت من عملي قبل 6 سنوات وأنا لا أزال أبحث عن هذا الغلام وأنني أشعر بالحرج من تسجيلها ضد مجهول... لكن وبفضل الله أهتديت إلى صاحب السيارة التي صدمت الغلام.... ثم عرفت أين ذهبوا به ومنه بدأت البحث مع الأخوة عن هذا الطفل المفقود ......فليتفضل الاخ حمزه ليقوم بشرح طريقة نقل الطفل . فقال...:
_ كنت قد استلمت من والدي سيارة جديدة وبينما أنا أسير بها في بعض الحارات عندما هربت من المدرسة خرج لي هذا الطفل مسرعا ولم أتدارك السيارة فصدمته ويظهر في حينه أن رجله قد أنكسرت .....حاولت أهرب لكن الناس تجمعوا حول السيارة فأركبته في السيارة على أساس إني ذاهب به إلى المستشفى ...
كان أبي يعمل في المستشفى وكل الذين في المستشفى يعرفونني بصفة زمالتهم لوالدي... وكنت أخشى أن أبي سوف يسحب السيارة مني أذا علم بذلك فأخذته وحطيته امام مدرسة البنات وقلت في نفسي ربما هم سيذهبون به الى المستشفى وتركته عندهم وانا متاكد ان اصابته خفيفة ..... ولم اكن اعلم ان الموضوع سيأخذ اتجاه آخر ..
- هات ماعندك ياست رمزية ..... قال ذلك الملازم فهد ..
- ياخويه انا كنت جالسة مع زوجي الله يرحمه مستور في غرفة الحارس في احدى مدارس باب شريف واذا صوت طفل يبكي بجانب الغرفة.....خرجت وإذا طفل يمكن عمره سنتين او كذا حولها.... يبكي 0...... وفيه عيال كثيرين واقفين يطالعونه .... فاخذته وادخلته الغرفة وتاكد لي ان رجله مكسورة 00فقلت لزوجي.... هيا نوديه المستشفى.... لكنه خشي من الشرطة....بعدين نحنا ما نعرف اهله.... وسوف ندخل مع الشرطة في سين وجيم ....لذلك اخذناه البيت وذهبنا به الى زوج اختي في وادي فاطمة لإنه يعرف يجبر الكسور ( يعني طبيب عربي ) وتركناه عند اختي وزوجها فترة حتى جبر الكسر ثم انتقلناه عندنا وعاش معنا ....... خلال هذه الفترة لم يسأل عنه احد وبقي معنا وربيناه وبعد احالتنا انا وزوجي على التقاعد انتقلنا كلنا ومعانا الولد الى وادي فاطمة وبقي معنا.... حتى تخرج من المرحلة المتوسطة ...وبعدين فيه ولد.... قليل ادب كذا.... قال له انت ابن حرام..... بعد ان غلبهم في الكورة .... بعدها سابنا ومشى واحنا ندور عليه من ذاك اليوم..... وجانا هذا الضابط.... وقال انه يعرف اهل الولد..... واحنا فرحنا كثير....وعندما وجده خالد ولد جيراننا وهو صديق خالد ...قام بابلاغ الضابط بذلك..... والحمد لله..... ان شاء الله انه يعود لأهله والله اني فرحت له ....فهو زي ولدي لكن 00خلاص مادام انه موجود وابوه موجود ....فالفرحه لنا كلنا 00
- ما تقول يا خالد..
- اقول ان حامد عاش معي اخ وصديق.. والحقيقة ....انه منذ ان ذهب من عند خالتي رمزية ونحنا حزنانين عليه وأصل الحكاية اننا كنا نلعب كورة مع بعض صبيان القرية ذات يوم .
وبينما كنا نلعب ....كان أحد العيال يحاول مضايقته من بداية اللعب لكن حامد لم يكن يعلم أن ذلك الشاب يضمر له الشر .. ....
وعندما أشتد اللعب وكان حامد من أبرز اللاعبين فسجل هدفين في ربع ساعة وكان شاطر في لعب كرة القدم فانبرى له ذلك الغلام.وقال له :
- انت يا ابن الحرام.. تسجل هدفين ... أصلك ولد حرام 00تعرف ايش معنى ولد حرام ......
- أنت ولد الحرام...... يا بويه استحي على وجهك( قال ذلك حامد )
- أنا ما امزح.... أنت ولد حرام000
ترى العيال ذولا اللي أنت ساكن معهم ماهم اهلك واسأل ....هذي اللي تقول عنها أمك ....قل لها انا ابن مين ...
في تلك اللحظة أتيت إليه وأخذت اعنفه لكن حامد وثب عليه وضربه حتى الصقه بالأرض .. ثم ترك لعب الكرة وعاد الى البيت..
جلس عند باب البيت وأخذ يبكي وعند ذلك حضرت خالتي رمزية ..
- مالك يا ولدي .
- (التفت إليها بغضب ) ...أنت ما أنتي أمي...... وأنا ما ني ولدك.. أليس كذلك .....؟
- لا يا حامد ..أنت تقول الكلام هذا .
- كل عيال الحارة يقولون...: عني أبن حرام... ليش تقولي أنك أمي ..أين أمي .... أين أبي ......أنا أبن مين ......جيت منين... .وأندفع باكيا.. بصوت عالي حاولت خالتي ان تهديه ..حتى دخل البيت واعلمها بما قال له ذلك الولد ...
لبست خالتي خمارها وغطوتها واتت معه الى هذا الولد اللي ما يستحي (كما قالت له )
وعندما وصلت .......صاحت في الولد 00
- تعال يا قليل الحيا ......كيف تقول لولدي انه ابن حرام..
- فاتجه اليها وقال بلسان حاد وبكل سفاهة ......هو ابن حرام وكل الناس تدري ...
- تكذب يا قليل الحيا..
- والله انه ابن حرام ....وأنتي شلتيه من عند المدرسة.... وكل الناس تدري عن هذا وانتي ما تجيبي عيال ....بس هو الوحيد الذي ما يدري .. ثم اتجه بكلامه إلى حامد وقال بكل سفاهة ونذالة مرة اخرى :
- كل العيال هذولا .... يعرفون أنك أبن حرام ...وهذولا اللي أنت عايش معاهم ماهم أهلك ....وأنت مالك أهل... انت لقيط .. ايوه لقيط..... انت لقيط....
- ......... اتجه حامد اليه ليضربه مرة ثانية لكنني انا وبعض الأولاد اخذنا حامد وذهبنا به الى البيت....
اما خالتي رمزية فقد اخذ ت تتلاسن معه بالكلام والشتائم ثم لحقت بنا.
وبدأ حامد اضراب عن الطعام وعن الخروج من البيت طالبا من خالتي ان تخبره بالحقيقة اولا ً ....واخيرا قررت
خالتي أن تخبره .
.( كنت استمع الى القصة معه وهو يبكي وكنت ابكي معه )..
يا ولدي أنت ما انت ابن حرام.... كما قال هذا اللي ما يستحي .. بس الله اعلم عن قصتك .....انا فوجئت بمن رماك امام المدرسة وكانت رجلك مكسورة ......
الله اعلم .....اهلك ماتوا ..... وانا اعتقد أن اهلك ماتوا في حادث سيارة .....وان هناك من اخرجك من السيارة واتى بك إلى باب المدرسة.... لانه لم يعد لك أي قريب.... ولم يسأل عنك احد ... ليش انا فسرت هذا الكلام......لإني وجدت رجلك مكسورة وهذا يمكن انه من الحادث ...اما ابن الحرام يا ولدي.. فهو يجي في اللّفة ..... يعني بعد الولادة .... وهذا غالبا ما يجدونه عند المساجد ....ونحن نعرف ونسمع من الحكايات ذي كثير ....اما أنت.... فأكيد أن والديك قد ماتوا في الحادث الذي انكسرت رجلك فيه ....وأنت ولدي ياحامد.... وعمك مستور أضافك في تابعيته... وانت الان ولده قانونا وعرفا ...... واحنا ما ضيعناك ...تحب اجيب لك صورة تابعية ابوك مستور ....
- أيوه ......ابغى اشوف ..
هذي صورة وخلها معاك يعني إذا زاد تكلم عليك قليل الحيا اقصد هذا الولد توريه هذي الصورة .... والاّ أقول لك......اتركه لاعاد تلعب معاه..... وهذه الصورة خليها معاك علشان ما تصدق الكلام اللّي قاله لك.. وتبقى مطمئن....
ثم طلبت مني خالتي رمزية أن أنام معه تلك الليلة .
مكث ليلته تلك لم ينم.... كنت انظر اليه .... كان ممتليء حزنا وألما .... كنت لا استطيع ان انظر اليه وهو بتلك الحالة ..... فكنت اضع البطانية على .. وجهي وأبكي للحالة التي كان فيها ... كنت عارف انه سيترك الوادي وأهله الى الأبد..
كنت استرجع ما قاله له ذلك الولد الخبيث ....(أنت إبن حرام) ..هاذولا... ماهم أهلك.... أنت مالك أهل ......أنت إبن حرام..... انت لقيط .... بقيت هذه الكلمات مثل الناقوس في ذهني انا ايضاً .
وفي صباح اليوم التالي .أخذ شنطة معه صغيرة في جيبه بها صورة من حفيظة والده التي اعطته خالتي رمزية محاولة منها ان تطمئنه ......وأن تريه ان بها إسمه..... وخرج من البيت قبل أن يظهر الصباح بل وخرج من القرية كلها ولا ندري الى اين ذهب ..
... وذات يوم رحت سوق السمك ورأيته هناك وسألت عن اسمه وتأكدت انه حامد ( عند ذلك اخذته العبرة فبكى وبكى معه كثير من الحاضرين ) ذهبت اليه.. وسلمت عليه ولم اقل له شيء لإن الملازم فهد قال لي ذلك .. وأخبرت الملازم فهد انني وجدته ولكنني عندما ذهبت انا والملازم في اليوم التالي لم نجده فعرفت انه لايريد ان يرانا مرة اخرى ...
وعندما وجدته مرة اخرى في بقالة في باب مكة وخوفا ان يهرب مني مرة اخرى ولا اجده قررت ان اخبر الملازم فهد بذلك وفعلا اخبرته واتى اليّ مشكوراً وتولى الموضوع بعد ذلك والحمد لله ......
- ثم التفت الضابط فهد الى حامد..
- هذه قصتك يا حامد ( أ قصد فوزي ) وترى اسمك فوزي وقد تم ايقافك في غرفة التوقيف خوفا من ان تحسب حسابات اخرى ثم تختفي علينا وانت موضوعنا الذي بحثنا عنه وكل جهودنا هذه من اجلك ..
لذلك...... اولاً... انت لست ابن حرام ........... انت لست لقيطا ً .....نعم انت لست لقيطا ..... هذه قصتك.... وهذا ابوك..... وهؤلاء الذين اوصلوك الى مدرسة البنات.... ان اردت ان تعفوا عنهم فهذا شأنك..... وان اردت ان تقوم بتحرير دعوى عليهم فهم الآن يعتبرون موقوفين لدينا.... حتى تتخذ قرارك أنت .....وانت ياسيد جابر .... هذا ابنك فوزي.... الذي فقدته قبل حوالي ثلاثين سنة..... قد أعاده الله اليك.... ولعل الله ان يقرّ به عينك وان يعوضك في صبرك خيرا... اشكر جميع الحضور واشكر من ساعدني وساهم معي في اقفال ملف هذه القضية والسلام عليكم ..
- شكرا لك ياملازم فهد وشكرا لاخونا النقيب المتقاعد حسين والشكر موصول لكل من ساهم في هذا الجهد لكني اريد ان نسمع جميعا القصة من صاحب المشكلة شخصياً ان سمح لنا .........
(قال ذلك مدير الشرطة ). يعني انت يا حامد ..
- يعني ضروري..
- حتى تكتمل الصورة ( قالها وهو مبتسم ).
- عندما خرجت من بيت امي رمزية كنت في حالة نفسية سيئة جدا ً... والقصة قد حكاها خالد نيابة عني .( وكان يبكي وفي حالة نفسية سيئة..)
- خلاص لاداعي للكلام ان كان الامر صعباً..
تناول مندوب الأمارة الحديث وبداء يثني على ما قام به النقيب حسين وطلب ان يستلم المعاملة بكاملها بعد ان ينتهى الجميع من توقيع المحضر ثم غادر كلا منهم إلى بيته..
تولى مندوب الأمارة الكتابة على المعاملة ورفعها إلى الوزارة وقد طلب مكافأة مالية كبيرة للنقيب المتقاعد حسين في ماقام به من جهود للوصول إلى الحقيقة ....أما حمزة فقد تركوا أمره إلى المسئولين في الوزارة إذا استحق أي عقوبة لكنهم ارفقوا بها خطاب تنازل عنه من قبل السيد جابر وإبنة..

(36)
في اليوم التالي كانت أم ابراهيم
تستعد لإستقبال فرحتين زوجاً انقطع عنها منذ زمن فإحساسها كان إحساسعروسا لازالت تنتظر عريسها اما الفرحة الثانية فقد كان شعور إماً تستقبل ضناها انقطع عنها وأخفاه القدر زمناً طويلاً ...فأنارت الأنوار ورشت العطور في أركان المنزل وارتدت أحلى وأجمل الملابس .. ربما ان الفرحة عرفت طريقها إلى قلب الأم الذي عصفت به الهموم منذ فترة طويلة... ..
وعادتبذاكرتها إلى الوراء قرابة ثلاثين سنة .. لم ترَ خلالهما فرحا كالذي الذي تنتظره اليوم..اصبح اليوم يوم عيداً كبيرا بعدما أضحت أعيادها كلها مبللة بالدموع والأحزان لا ترف على شفاههاالبسمة .. من ناحية اخرى وبعد انتهاء الجلسة في ادارة الشرطة خرج جابر وابنه وركبا مع أبو أسعد في سيارته الى بيت جابر وتركهم أبو أسعد هناك وانصرف..
تسابقت قدما فوزي على السلالم المؤدية إلى بيت والده وعند المدخل طلب منه والده أن يقرع جرس الباب ...
قرع الباب. ...فتحت أمه الباب.. تفاجأت عندما وجدت أمامها ذلك الشاب وخلفه زوجها جابر فعرفت انه فوزي .... لم تستطع ان تنطق كلمة واحدة .. لقد ألجمها الموقف ....
اما فوزي فقد تسمرت عيناه في تلك المرأة... لم يتكلم لكنه هز رأسه مستفسرا. تلعثم....ثم جمع كلماته وأمسك أول الخيط في الحروف التي تجمعت في فمه...أمي كانت تلك الكلمة التي نطقها ثم رمى بنفسه بين يديها وأجهش بالبكاء ولم تنطق هي بكلمة واحدة.. إلا أنها احتضنته بشوق عميق .. بعمق اعوام الغربة التي قضاها بعيداً عنها .. كان شعورها شحنة من الألم والشوق الذي فاض عن حده فأخرس لسانها ولم يعد ينطق منها إلا وجيب قلبها الذي تحس انه يكاد يخرج من حدود القفص الصدري .. وكتمت الأم صرختها وحاولت أن تخبئ دموعها فلم تفلح....ثم صاحت .....آه ...... ضمته في لهفة .....(لا تدري أيهما كان يسند الآخر حتى لا يقع على الأرض.). ثم قبل كفها اليابسة بيباس السنين العجاف التي قضتها في غيبته وبللتها دموعه بينما أغرقت هي وجنيته بدموعها .. وأخيرا تقدما إلى داخلالبيت.. ..فوزي ... فوزي ...نطقتها بصوت مترهل ذبلان لا يكاد يسمع ..
ثم جلس فوزي امام والدته التي غدت مثل صورة أطرافها ممزقة وباقيها مليء بالتجاعيد المحشوة بطحين غبار السنين التي كانت تجرها خلفها بصعوبة ... دخل إلى المجلس فوجد إخوته .....كان يرى انه غريب برغم الحرارة التي استقبله بها الجميع ... الله ..... كم أنت كريم يا رب..... اليوم هو يوم التقائه بأمه وأبوه وأخوته بعد الغربة المؤلمة .. اليوم الذي لم يكن بباله أن يكون .. ولم يكن يخطر بباله أن ينتسب الى عائلة....
....نعم ....ذلك الذي لم يكن في الحسبان ...أصبح بين ليلة وضحاها ابن عائلة ينتسب إليها... انه لم يكن لقيطاً ولا ابن حرام .. اه.........انه ابن شرعي له إخوة .....غير انه يرى هذا الأمر بارداً... لم يصل إليه إلا بعد ان نشفت العروق التي تنبض بالعطف والشفقة على الأهل والأقارب وغدت شرايين الفرحة مهترئة ضعيفة لا يمكن أن تحس بنفس الشعور الذي يشعر به الشخص الذي عاش حياته بين أهله وذويه ..
اما أبو أسعد فقد عاد الى بيته وهو يتألم لحامد من تلك الحياة التي عاشها في تلك الفترة من عمره ... ويقول لنفسه ...
· كان الله في عونه المسكين... الآن عرفت ليش كان يهرب من الزواج ومن طاري الزواج ..
· لماذا راح عند أبو سمير ولم يتكلم بكلمة واحدة ...
· لماذا اغرورقت عيناه بالدموع عندما طلبت منه العودة الى ابو سمير وطلب ابنته مرّة ثانية...
· كم هو صبور هذا الرجل ..
· لقد تحمل حملاً كبيراً وعانى كثيراً كان الله في عونه..
· ( ربنا لا تحملنا مالا طاقة لنا به)..
· لكنها فرجت بقدرة الله ولا بعد العسر الا اليسر..
· اللهم لك الحمد....كم انت كريم يارب... تبتلي وتعين... فلك الحمد يامن لا يحمد على مكروه سواك.....لك الحمد والشكر قد فرجت عنه من مصيبة احتملها ولم يفعلها... لك الحمد على كل حال ...

(37)
عاد حامد الى زوجته ليلاً مرهقا من شدة التعب وشدة المعاناة.....لكنه يحس انه قد القى من على ظهره حملاً ثقيلاً.. استقبلته روعة.. وعمه حمدان...
- الحمد لله على السلامة.. ولهنا عليك .. واشتقنا لك .. (قال ذلك عمه حمدان)
- الله يسلمك..
- تصالحت مع الرجال الذي سوى المشكلة..
- خلاص انتهينا..
- يمكن كنت تريد ان تختبر شوقنا إليك..( قالت ذلك روعة)..
- يعني خفتم علي ... او اشتقتم .؟
- خفنا عليك ... واشتقنا لك كثيراً والله ...
- أنا اشتقت لفريد وصدّيقة ..
- وأمهم ..( قالت ذلك روعة مبتسمة )..
- أنت تعلمين ذلك.. لكنني اشتقت لعمي حمدان أكثر ..وكذلك أصبحت متولعاً بالأولاد كثيراً....
- شدة وزالت والحمد لله..قريباً سيكون لهم اخ جديد بإذن الله ..
- الحمد لله...انت .؟؟
- نعم حامل ...
- ياما انت كريم يارب ........ اللهم لك الحمد ...
- زارك أبو أسعد ... أليس كذلك..؟
- نعم ..
- كان يتصل دائماً يسأل عنا ...
- جزاه الله خير ... اقول لك.. سيكون العشاء غدٍاً عند الوالد ...
- أبوك ....؟
- نعم .....
- لم نعرفه من قبل ..
- غدا ستتعرفون عليهم جميعا ..
- جميعاً.....؟.......من تقصد ب جميعاً..
- كل العائلة.. امي وأبي وأخواني
- ليش ما قلت لنا من أول ..
- هذا الكلام اشرحه لكم بعدين .. ويمكن الوالدة تشرح لك الموضوع غداً..
- خلاص كما تحب...
ثم قام كلا منهم الى فراشه ..
استلقى على سريره .... تطلع إلى السقف .. اخذ يفكر في استدارة الزمن بسرعة في الاتجاه الصحيح واكتمال السعادة إليه بسرعة.. من التقائه بأهله الى زواجه بالمرأة التي أحبها .. الى انه سيصبح اباً.. اللهم لك الحمد.. أشكرك يا رب العالمين ..
لأول ليلة من لياليه المتعبة أحس انه عاد ينتمي إلى الناس الأسوياء لكنه لم ينس انه التبس ( ثوب الخطيئة) اغلب ايام عمره التي مضت ....كان يسترجع أيام حياته الموحشة.. كان نوما بلا منام...لكن التعب الآن قد انتهى ... لم يعد يخشى ان يقال له انه لقيط....نعم لست لقيطاً ..... لست ابن حرام.. تلك الكلمة التي اقضت مضجعه سنيناً طويلة واسهرت عينيه ليالي لا يحصي عددها الا الله .
الآن تتلاشى الصور أمامي .... الأيام الصعبة قد انقضت وذهبت إلى غير رجعة وجاءت اللحظات السعيدة التي غابت عني منذ أن عرفت الحياة.
إنه الخوف الذي عاش معي رد حا طويلاً من الزمن حتى كرهت نفسي كان كابوس مليء بالخوف والألم والتشنج.
كنت اداري عن الناس عيني التي تطفح بالدموع كلما افتكرت انني (......).. كنت كياناً مسكوناً بالخوف من يومي وغدي.... لكنني رغم تلك الفترة القاسية .... لم اسلك دربا معوجّاً او اسقط في أوحال الرذيلة...رغم محاربة الحياة لي ..على طول هذا العمر المنغمس في البؤس النفسي الذي عشته .... لقد كنت ابحث عن أي عمل شريف لأكسب منه لقمةً حلالاً تخرجني من لعنة الذنب الذي حملته ولم اقترفه...
لم يبق همّ من هموم ابناء الحرام الا وقد دفعت ثمنه دماً ودموعاً وسهراً ....وحتى من النسيج الذي مددت فيه ايام عمري الثقيل ..
خرج فوزي في اليوم التالي مبكرا وذهب إلى البقالة وفتحها..كأن حياته قد توقفت في ذلك اليوم .. نعم هنا مولــد جديد.. هنا حـــمل كبــير قد نزل عن ظهره .. من هنا سوف يبدأ حياة جديدة لا يدري كيف يبدأها ...هذا اليوم يختلف عن بقية أيام حياته ... كيف يفسره ...كيف يفهم تلك الحادثة ...هل تغير وجه الزمان...؟
..ماذا سيترتب على الوضع الجديد..
هل سيتغير وجه الحياة الكالح الذي تلبسني قسراً خلال الفترة الماضية من حياتي..... لا ادري ...هل سيصعد الدم الى وجه الحياة الناشــف الذي عشــت في غباره ورائحته الكريهة سنين عمري الماضية....
كيف يشرح الموضوع لروعة.... هل يقول لها الوضع الذي كان يعيشه من قبل .... أشياء وأشياء لا يمكن أن يستوعبها في يوم وليلة .. لكنه ترك لروعة الموضوع ليبدأ من عند امه ثم عليه ان يكمل الشرح فيما بعد..
عندما وصلت روعة الى بيت السيد جابر في اليوم التالي .....
كانت تمشي في انطلاق وجرأة نحو البيت كأنها تعرف المكان من قبل .. كما أدهشت أمه وهيتمد يدها لتسلم عليها بحرارة ...أخذتها بين أحضانها..... لم تستطع إخفاء حبها لها كانت كلمات الترحيب المنطلقة من والدته رطبة وعذبة من فمها....انها زوجة إبنها الذي أخفته الأقدار.. انها ترى في عينيها الحنان الذي استطاعت هذه المرأة أن تعطيه ابنها فوزي.... والذي لم يجده عند أمه سنيناً طويلة .. نعم الحنان الذي يمكن انه قد عوضه عن حنان أمه .....علاوة على جمال البنتوانطلاقها على طبيعتها... كأنها بنت قرية وإن كانت في جمال بنات المدينة.. عيون واسعة نجلاء وشعراسود كالليل ووجه أبيض كالبدر ...
( ضدان لما استجمعا حسُنا ....... والضد يظهر حسنه الضد )
شاهد فوزي فرحة أمه بمقدم روعة.. كان يرىأن كلا منهما قد استلطفت الأخرى....
( هل هذه روعة التي كنت توصفها لي البارحة. ..؟)
أومأ فوزي بالإيجاب وهو يهمس ..نعم يا أمي..
ثم احتضنت الاطفال ... كانت تحسب انهم اولاد ابنها فتركتها روعة تكمل فرحتها على ان الأيام سوف تبدي لها من امرهم ما تجهله....
في اليوم التالي كانت الحفلة الكبيرة التي اقامها السيد جابر... دعى اليها كل الأقارب والأصدقاء وضباط الشرطة وأبو أسعد.. والخالة فوزية التي اخذها فوزي لتعيش معه في باب مكة بعد ذلك ..
وفي اليوم الذي بعده كانوا جميعاً عند أبو أسعد ثم بعد ذلك عند فوزي وتوالت الأفراح والليالي الملاح.... وانتهت القصة ......




الرابط الاصلى للموضوع : https://vb.g111g.com/showthread.php?t=150241
غرابيــل غير متواجد حاليآ بالمنتدى   رد مع اقتباس
قديم 18-05-2010, 05:24 PM   #2

كاسب العز
~ [ عضو مؤسس ] ~

 
الصورة الرمزية كاسب العز

мємвєя »  9159
 Jσiи ᴅαтǝ » May 2005
cσиτєиτ » 26,898
sτατє » دولتي
رد: ثـوب الخطيئه,,,,,

بارك الله فيك

لك مني أجمل تحية

تقبل مرورى

كاسب العز

الرابط الاصلى للموضوع : https://vb.g111g.com/showthread.php?t=150241
كاسب العز غير متواجد حاليآ بالمنتدى  
التوقيع
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ }

أنت الزائررقم

لمــواضيعي





جـــده
رد مع اقتباس
قديم 26-01-2011, 05:18 PM   #3

همس الرووح
~ [ مستشار إداري ] ~
 
الصورة الرمزية همس الرووح

мємвєя »  96699
 Jσiи ᴅαтǝ » Mar 2008
cσиτєиτ » 27,876
sτατє » دولتي

الرابط الاصلى للموضوع : https://vb.g111g.com/showthread.php?t=150241
همس الرووح غير متواجد حاليآ بالمنتدى  
التوقيع
لاتظلمن اذا ما كنت مقتدر فالظلم آخره
يفضى إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك
وعين الله لم تنم
رد مع اقتباس
قديم 06-01-2012, 08:19 PM   #4

أنامل الخير
~ [ عضو مجلس الإدارة ] ~
alkap ~

мємвєя »  199089
 Jσiи ᴅαтǝ » Nov 2010
cσиτєиτ » 8,860
ɢєиɒєя »
sτατє » دولتي Saudi Arabia
мσσɒ » مزاجي
мч ммѕ ~
My Mms ~
الصفحة خالية


يسلموووو

الرابط الاصلى للموضوع : https://vb.g111g.com/showthread.php?t=150241
أنامل الخير غير متواجد حاليآ بالمنتدى   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الخطيئه , ثـوب

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أبي شرح قصيدة الحطيئه وطاوي ثلاث تكفوووووووون نسكافة عربي ثانوي النصف الثاني 6 27-03-2010 11:04 PM
وماكل رجل(ن)لبس ثـوب وعقـال خليف الوهيداني الشعر النبطي 3 14-04-2008 12:30 PM
لا تفوت الفرصة ـ أنشر تؤجر ـ النذير المنتدى الإسلامي 4 14-05-2007 10:54 PM
لا تفوت على نفسك الفرصة ...... عمل قليل وأجر كبير ورب الكعبة !!! النذير المنتدى الإسلامي 1 08-03-2003 07:46 AM


||


الموقع بدعم الإنترنت المتقدمة

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi