المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة بحثي: مبدأ اعتبار المآل في البحث الفقهي



أهــل الحـديث
18-02-2012, 01:00 AM
أهل - الحديث - حديث شريف - محمد - صلى الله عليه وسلم - قرأن كريم




الحمد لله مُحسن مآل من فوض أمره إليه، وكافي من توكل عليه، ومجمل مآب من أناخ مطاياه ببابه، وقصد الركون إلى رحابه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على العاقب، من أرشد الناس إلى خير العواقب، وعلى الآل الأطهار والصحابة الأخيار.
أما بعد:
فإن الله جعل لكل مقام مقالا، ولكل مقال رجالا،ولكل رجال فعالا،ولكل فعال مآلا،ومن ثم كان حقا على العاقل أن يقدر لكل أمر قدره، وأن ينظر فيما يصير إليه حاله، فلا يبني على الواقع الذي هو عليه، بل يستشرف ما يؤول إليه، وقديما قيل:
فلا يُحْزِنَنْك الشَّـرُّ قَبل وقــوعِــه ***ولايفرحَنْك الخيرُ والخيرُ غائبُ
فإنك لاتدري وإن كنت حـــازماً *** إلى أي أمرٍما تؤول العـواقبُ([1] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn1))
وقال أهل الحكمة إنه"واجبٌ على كل حكيم أن يحسن الارتياد لموضع البغية، وأن يبين أسباب الأمور ويمهد لعواقبها, فإنما حمُدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ماتؤول به الحالات في استدبارها، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم، فأما معرفة الأمور عند تكشفها وما يظهر من خفياتها فذاك أمرٌ يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون"([2] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn2)).
فإذا كان شأن الإنسان وهو إنسان، أن ينظر في كل أمره إلى ما سيتكشف عليه حاله، فإن الشريعة الإلهية أولى بهذا الاعتبار، بل إنها هي المؤسس لهذا المنهج في التعامل مع الوقائع وما يترتب على الأفعال والتصرفات من نتائج.
1ـ إشكالية البحث:
إن الشارع لما شرع أحكامه جعلها وسائل لمقاصد تقصدها وغايات تغياها، وحين أمر بأن تنزل هذه الأحكام على الوقائع والأحداث، فإنه لم يترك ذلك هملا، بل إنه أسس لنوعين من الفقه هما قوام عمل المجتهد والمفتي والقاضي والحاكم، وأقصد بهذين النوعين : فقه الحكم وفقه المحل.
فالفقه في الدين يقتضي فهما شموليا لمناشئ الأحكام، ومعرفة دقيقة بتنزيلاتها في الواقع والمتوقع كذلك، لأنه لا يكون الفقيه فقيها بالتوقعات دون علم بالواقعات، وهذا عين العلاقة بين مقاصد الشارع وتحققها، وبين عمل المفتي والمجتهد وهو يمخر بسفينه بحر الاجتهاد، ويقلب النظر في الحال والواقع، ليستشرف ما سيكون عليه مآل تنزيل الأحكام على أفعال المكلفين، ومآل مقاصد المكلفين من حيث موافقتها لمقاصد الشارع أو مخالفتها له.
إن المفتي حين يفتي لا يقوم بتعدية الأحكام دون نظر إلى عواقبها، واعتبار لمآلاتها من حيث تحقق المقصد الشرعي في تلك النازلة التي يريد تنزيل الحكم الشرعي عليها، فيوازن بين المصالح والمفاسد، ويقيس الأمور إلى نظائرها، فيمنع من هذا الفعل رغم مشروعيته منعا للمآل الفاسد، ويستحسن في حالات يفتي فيها بالترخص تجنبا لحرج يناقض قصد الشارع من تشريع الحكم الذي عدل عنه المفتي إلى حكم غيره، مستثمرا آليات شرعية لها أصلها في صميم الشرع كتابا وسنة.
وهذا المنهج في التعامل مع النوازل ليس حكرا على مذهب فقهي دون سائر المذاهب الأخرى، بل إن المذاهب الفقهية كلها تعتمد اعتبار المآل ضمن قواعدها العملية التطبيقية، لكن المذهب المالكي يتميز بمنهج دقيق ومحكم جعله مذهبا مقصديا صرفا، سواء من حيث شمولية أصوله وتنوع قواعده، أو من حيث استحضار المقاصد في تأصيلاته وتطبيقاته، الشيء الذي يجعل له خصوصية على مستوى الاجتهاد والتطبيق والعمل، مع القدرة على معالجة الوقائع المستجدة المرتبطة بالمعاملات المالية التي استحدثها الناس أو اقتضتها طبيعة العصر مما لم يكن في الزمن الأول، وقد قيل:" أصول مالك في البيوعات أجود من أصول غيره"([3] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn3)).
هذه الخصوصية أكسبت المذهب المالكي نظرة خاصة في تنزيل الأحكام، وهي ما يمكن أن يسمى بالنظر المصلحي القائم على اعتبار المصلحة المرسلة وسد الذرائع، والاستحسان الذي هو عين الالتفات إلى المصلحة والعدل، وهذه القواعد هي العناصر المكونة للنظرية العظيمة التي جمع شتاتها ونظر لها الإمام الشاطبي رحمه الله، وأقصد بذلك نظرية: " اعتبار المآل " التي أصبحت نظرية شاطبية مالكية محضة، وما كان للشاطبي رحمه الله أن يبلغ هذا المبلغ لولا نضج النظرية المقصدية من لدن الإمام مالك إلى آخر جهابذة المذهب النظار من الفقهاء والأصوليين.
ولا يخلو كتاب من أمهات كتب المالكية من تأصيل وتقعيد مقصديين، لكن تبقى كتب الفتوى والنوازل التي ألفها وجمعها علماء المالكية هي الصورة المثلى للفقه التنزيلي القائم على اعتبار المآل، ذلك أن هذه الفتاوى والنوازل لا تعكس سيرورة الواقع الذي ينتمي إليه الفقيه، بقدر ما تعكس حركية الفقه المالكي وقدرته على استيعاب هذا الواقع كما هو والتعامل معه وفق المقاصد الشرعية.
فما مدى التزام المفتين والنوازليين المالكية بالمنهج الذي سنه الإمام مالك؟ وهل استوعب المالكية هذا المسلك الذي ارتضاه؟ وهل استطاعوا أن يثبتوا جدارتهم بالاستقلال بمدرسة فقهية خاصة؟ وهل استطاعوا في فتاواهم أن يثبتوا واقعية الفقه المالكي من خلال العمل باعتبار المآل خاصة ضمن المعاملات المالية؟ وهل لفقه المآلات أو فقه المحل الذي هو قسيم فقه الحكم اعتبار في فتاواهم؟ وإلى أي حد يحضر اعتبار المآل في عمل النوازليين من المالكية؟
2ـ أهمية موضوع البحث:
تتمثل أهمية الموضوع في ما يلي:
ـ أولا: أن اعتبار المآل تجسيد لواقعية الشريعة في علاقتها بأحوال المكلفين.
ـ ثانيا: أن اعتبار المآل هي الأصل الشرعي المعتبر الذي يبرز صلاحية الشريعة للتطبيق عبر الأزمنة، على اختلاف العادات والأعراف وتجدد النوازل، فهو معيار الحكم على العصر والواقع وبه توزن المستجدات ونتائج الأفعال والتصرفات على ضوء المصالح والمفاسد.
ـ ثالثا: أن اعتبار المآل هو الإطار الموضوعي الضامن لسلامة عمل المجتهد في فهم أحكام الشرع وتكييفها ومن ثم تنزيلها على واقع المكلفين، والتثبت من تحقق مقاصد الشريعة وتحقيق مناطات الأحكام، ولذلك قال الشاطبي رحمه الله:" إن زلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع"([4] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn4)).
ـ رابعا: أن اعتبار المآل هو مسلك التعامل مع أفعال المكلفين، إما بإضفاء المشروعية على الفعل أو بسلبها عنه، وإما بتطبيق الحكم الشرعي على المكلف كما هو، أو باعتبار الملابسات المحتفة بالفعل فيُرخص له فيه أو يمنع منه.
ـ خامسا: أن اعتبار المآل هو صميم عمل المفتي والنوازلي، ومن ثم فكتب النوازل هي الصورة التطبيقية لهذا المبدأ ذي البعدين المادي والموضوعي، ولا تظهر قيمته الحقيقية من خلال كتب الفقه المجردة، بل من خلال فتاوى الأئمة المالكية والموسوعات النوازلية التي خلفوها.
ـ سادسا: أن اعتبار المآل مبدأ فاعل في العبادات والمعاملات، لكنه في أبواب المعاملات المالية أكثر فاعلية بالنظر إلى معقولية معناها، ومن ثم تصورها بكيفية تجعل المفتي أقدر على تكييف النازلة والحكم عليها.
3ـ أسباب اختيار الموضوع:
شجعني على اختيار هذا الموضوع عدة عوامل منها:
ـ أولا: أنني اشتغلت عليه في فترة التكوين بالسلك الثالث بوحدة الدراسات النقدية والمنهجية في الغرب الإسلامي، التي كان يرأسها فضيلة الدكتور الحسن العلمي، وتحت إشراف فضيلة الدكتور زيد بوشعراء ـ حفظهما الله ـ ، فثبتت لي أهميته وقيمته، وقد لمست ذلك أثناء إنجاز البحث الذي تقدمت به للحصول على دبلوم الدراسات العليا المعمقة بنفس الوحدة والذي كان بعنوان: " قواعد المعاملات المالية من خلال كتاب المقدمات الممهدات لأبي الوليد ابن رشد الجد" .
ـ ثانيا: أن المسلمين اليوم في حاجة إلى فقه المآلات، لما يتحقق به من تقعيد للقواعد الأصولية والفقهية والمقاصدية، ولما يترتب عليه من آثار عملية تضبط الواقع الذي تنزل عليه الأحكام التي هي وسائل وضعها الشرع لتحقيق المقاصد والغايات التي تغياها.
ـ ثالثا: دراسة موضوع الفكر المقاصدي يمكن الإنسان من امتلاك ملكة التفكير والاستنتاج، والاستدلال والاستقراء والتحليل، والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي، وتجعله لا يقر لأي فكر أو اجتهاد بغير سلطان أو بغير برهان ، ويمتلك أدوات البحث والمعرفة، وإمكانية النظر في المآلات والعواقب.
ـ رابعا: محاولة الإسهام في خدمة التراث المالكي ،هذا التراث الذي لا زال في حاجة إلى كبير جهد واهتمام من طرف أبنائه، ومن ثم القيام بالحد الأدنى الواجب علينا تجاه شرعنا الحنيف أولا، ثم إمامنا مالك رحمه الله ومذهبه ثانيا، والأعلام الذين حملوا لواء المذهب طيلة القرون المتعاقبة ثالثا، ويكفي دلالة أن أورد كلمة جميلة للإمام شمس الدين الذهبي قال فيها: " وبكل حال، فإلى مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيلة، ومراعاة المقاصد لكفاه"([5] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn5)).
ـ خامسا: أن كتب النوازل والفتاوى المغربية لم تعط العناية الكافية التي تستحقها، خاصة وأنها تمثل المذهب في جانبه التطبيقي سواء في فترات قوته وظهوره، أو فترات ضعفه وضموره.
ـ سادسا: رغبتي في التدرب على التعامل مع القضايا المالية من خلال محاولة استيعاب المنهج المالكي في التعامل مع النوازل عموما، ونوازل الأموال خصوصا نظرا لخطورة هذا الجانب من الفقه الإسلامي، ونظرا لأن اعتبار المآل يشكل جزءا من امتدادات النظرية المقاصدية، ويستلزم ذلك غوصا عميقا في المباحث الأصولية ذات الصلة به.
4ـ أهداف الموضوع والجديد فيه:
قد مرت بعض الأهداف أثناء الحديث عن أهمية الموضوع وأسباب اختياره، لكن لا يفوتني هنا أن أثير الانتباه إلى ما يلي:
ـ أولا: محاولة إضافة جهد عملي آخر إلى الدراسات السابقة التي اعتنت بموضوع فقه المآلات ونتائج تصرفات المكلفين، خاصة وأن الكثير منها ركز على الجوانب النظرية فقط، بل إن منها ما تناول الموضوع تناولا سطحيا فقط لا يتناسب مع قيمة الموضوع وخطورة المبدأ في النظر الفقهي وعمل المجتهدين والمفتين والقضاة.
ـ ثانيا: تتبع المنهج الشاطبي في تأصيل وتقعيد هذا المبدأ، باعتبار أن الشاطبي رحمه الله أول أصولي أخضع هذا المبدأ للدراسة التنظيرية، ويكفي أنه أحد أساطين المدرسة الأصولية المالكية شرقا وغربا، وكل من بحث في المقاصد بعده عيال عليه.
ـ ثالثا: هذا البحث ـ حسب علمي ـ بعد جهد كبير في محاولة الحصول على أكبر عدد من البحوث التي تناولت الموضوع([6] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn6))، من أوائل البحوث التي عُنيت بشكل مستقل بموضوع اعتبار المآل ومراعاة نتائج التصرفات من الناحية العملية التطبيقية من خلال كتب الفتوى والنوازل المالكية ([7] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn7))، وهذا لا ينفي وجود محاولات للتطبيق لكنها اعتمدت فقط كتب الفقه التجريدية.
ـ رابعا: أن هذا البحث هدف إلى الجمع بين عدة مصادر مالكية متعلقة بالفتوى، حتى يتكون لدى القارئ تصور عن أن المذهب المالكي استطاع أن يؤسس لنفسه منظومة إفتاء كانت وبقيت مترابطة عبر قرون طويلة .
5ـ الدراسات السابقة:
اهتم عدد كبير من الباحثين بموضوع اعتبار المآل، فكتبوا فيه بحوثا عديدة اختلفت بين المتناول له من الناحية النظرية، وبين من حاول أن يمزج بين التنظير والتطبيق، ولا أريد هنا أن أتحدث عن الإمام الشاطبي رحمه الله الذي كان أول من تناول هذه القاعدة بتفصيل، ولا أحب أن أعتبره ضمن الدراسات السابقة كما فعل بعض الباحثين، بل إن عمله هو المحور الذي دارت عليه كل البحوث التي أنجزت، ومن بين هذه البحوث والكتابات:
1ـ الدكتور فتحي الدريني رحمه الله في مؤلفات كثيرة، ككتاب : " نظرية التعسف في استعمال الحق" وكتاب: " الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده"،وكتاب:"المناهج الأصولية"، وكتاب:"النظريات الفقهية"، حيث تناول الدكتور رحمه الله مبدأ اعتبار المآل بشكل شمولي أحيانا، وأحيانا بشكل تفصيلي.
2 ـ الدكتور محمد رياض في كتابه: " نظرية التعسف في استعمال الحق بين المذهب المالكي والقانون المغربي"، لكنه لم يفصل في المبدأ إنما تناول ما اندرج تحته من قواعد في علاقتها بمبدأ التعسف.
3ـ الدكتور علي مصطفى رمضان، في رسالته بجامعة الأزهر بالقاهرة سنة 1976م التي عنونها بعنوان : "اعتبار المآلات في الشريعة الإسلامية للحكم على الأفعال"، وقد ركز فيها على مسألة التعليل وعلاقة اعتبار المآل بها، وذلك في إطار شمولي ولم يعن كبير عناية بالتمثيل والتطبيق.
4ـ الأستاذ عبد الله لخضر، في رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا:" منهج المالكية في الاستدلال بالمآلات الشرعية" من جامعة المولى اسماعيل بمكناس، سنة: 1987، وقد تناول في هذه الدراسة مفهوم المذهب ونشأة المذاهب الفقهية، وتناول الحديث عن الإمام مالك رحمه الله وأصول مذهبه، ومسألة تعليل الأحكام، ثم فصل في الحديث نظريا عن قواعد العمل باعتبار المآل في المذهب المالكي، فكانت بحثه دراسة نظرية محضة لم تظهر حقيقة اعتبار المآل كمبدأ مقصدي له أثره في العملية الاجتهادية.
5ـ الدكتور حسين بن سالم الذهب، في رسالته: " مآلات الأفعال وأثرها في تغيير الأحكام" بالجامعة الأردنية، سنة 1415 هـ، وهذه الرسالة مختصرة جدا ركزت على أهمية اعتبار المآل في تغير النظر الفقهي والمصلحي دون تفصيل في الحديث عن القواعد والأصول التي تندرج تحت اعتبار المآل .
6ـ الدكتور زيد بوشعراء في رسالته :"عوامل تغير الأحكام في التشريع الإسلامي، تغير المآل وتغير القصد"، وهي الرسالة التي تقدم بها لنيل دكتوراه الدولة من جامعة محمد الأول بوجدة سنة 1997 م، تحت إشراف الدكتور الشاهد البوشيخي، ولعل هذا البحث هو أول بحث مغربي دقيق ـ حسب ما وقفت عليه ـ حول موضوع اعتبار المآل نظرا للجدة التي اتسم بها.
وقد قسم ـ حفظه الله ـ بحثه إلى قسمين، أولهما: تغير المآل، وجعله في بابين، تناول في أولهما صور تغير المآل، بين تحقق الحكمة وعدم تحققها، وبين تحقق الحكمة برجحان وتحققها بلا رجحان، وفي ثانيهما تناول أسباب تغير المآل مرجعا إياها إلى ثلاثة هي: تغير الزمان والمكان، وتغير العرف، وتغير الأشخاص. أما القسم الثاني، فتناول فيه الدكتور زيد تغير القصد، وجعله كذلك في بابين، أولهما عنونه ب : بين قصد وقصد، وفيه فصلان، أولهما بين القصدين المشروعين، وثانيهما بين القصد المشروع والقصد غير المشروع، أما الباب الثاني، فعنونه ب: بين القصد وعدم القصد، وجعله في فصلين كذلك، أولهما: عن تأثير النسيان والخطأ ، وثانيهما عن تأثير الجهل.
7ـ الدكتور عمر جدية، في رسالته: " أصل اعتبار المآل بين النظرية والتطبيق" التي تقدم بها لنيل الدكتوراه من جامعة محمد بن عبد الله بفاس، وقد تطرق فيها إلى مفهوم اعتبار المآل ومقوماتها النظرية، وإشكالية تطبيقها في الواقع، وقد عالج فيه قواعد أصل اعتبار المآل العامة، وطبقها على نماذج مختارة من السيرة النبوية، وعلى مجالا التطورات العلمية والطبية المعاصرة، وعلى المجالين الاجتماعي والسياسي.
8ـ الدكتور بشير مولود جحيش، في موضوعه الذي نشر في سلسلة " كتاب الأمة" القطرية، العدد 97 سنة 1424هـ، تحت عنوان " في الاجتهاد التنزيلي" وقد تناول فيه مفهوم اعتبار المآل ومقوماته النظرية، وعلاقته بتحقيق المناط، وفي الفصل الأخير قام بدراسة تطبيقية على قضايا سياسية معاصرة.
9ـ الدكتور عبد الرحمن بن معمر السنوسي، في كتابه: " اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات"، وهو أول بحث علمي دقيق جدا في هذا الموضوع، وقد تناول الدكتور في هذا البحث مفهوم اعتبار المآل وبنى له تعريفا أصوليا مقصديا، ثم تحدث عن خصائصه وأثره في التشريع والاجتهاد، ثم تطرق بعد ذلك إلى القواعد التي تندرج تحت اعتبار المآل كما قررها الشاطبي، واعتمد الدكتور منهجية إثارة الإشكاليات وتحليلها والتمثيل لها من المذاهب الفقهية، ثم تناول بعد ذلك أثر اعتبار المآل في الموازنة بين المصالح والمفاسد ضمن القواعد الفقهية ذات الصلة .
10ـ الدكتور وليد بن علي الحسين، في كتابه:" اعتبار مآلات الأفعال وأثرها الفقهي"، وهو أطول البحوث التي تناولت اعتبار المآل، ويمتاز عن غيره من البحوث بكثرة التفريعات الجزئية للموضوع، وكثرة تطبيقاته خاصة في بعض القضايا المعاصرة، وقد توسع كثيرا في الحديث عن صور تغير المآل بين أقسام الحكم التكليفي، وتحدث عن أسباب مراعاة المآل المتمثلة في سد الذرائع والمصلحة ومراعاة الخلاف والضرورة ورفع الحرج، وما يلاحظ عليه أنه أهمل الحديث عن الاستحسان وهو من أعظم القواعد المندرجة تحت اعتبار المآل، ولم يشر إليه لا من قريب ولا من بعيد، وحتى حديثه عن الضرورة والمصلحة وهما من صور الاستحسان عند المالكية والحنفية لم يلتفت إلى ذلك دون أن يبرر دافعه إلى هذا المسلك .
6ـ صعوبات البحث:
لا يخلو بحث من صعوبات، والصعوبات التي اعترضت هذا البحث لم تكن ـ بحمد الله ـ مادية قط، بل تجلت في الآتي:
ـ الحيرة في التعامل مع مصادر الفتوى المالكية، هل أتعامل مع المطبوع منها والمتيسر من المخطوط وما طالته يدي من المطبوعات الحجرية؟، أم أقتصر على ما يتيسر للقارئ أن يصل إليه، أي المطبوع فقط؟، وبعد استشارة أهل الخبرة والاختصاص عقدت العزم على التعامل مع المصادر الموسوعية المطبوعة، والمقصود: جامع فتاوى الإمام البرزلي، والمعيار المعرب للإمام الونشريسي، والنوازل الجديدة الكبرى للإمام المهدي الوزاني.
ـ ضرورة الانتقال من مصدر إلى مصدر، ومحاولة إرجاع ما ذكره المتأخر منها إلى المتقدم، والبحث عن موطن ذكر الفتوى إذا تيسر ذلك في كل مصدر، مما يتطلب وقتا مضاعفا وجهدا أكبر.
ـ تصنيف الفتاوى ضمن المجال الأصولي والمقصدي الذي تنتمي إليه، ومرات عديدة وضعت فتوى في مجال ثم تبين لي أنها تصلح أن توضع في مجال آخر، أو لا تخدم الغرض الذي أنا بصدد تناوله.
ـ محاولة استجلاء البناء الفقهي للفتوى، واستنباط القاعدة أو القواعد الأصولية أو الفقهية أو المقصدية التي انبنت عليها، وتحليلها على ضوء هذه القواعد ضمن ارتباطها بمبدأ اعتبار المآل، إذ قد تتداخل القواعد فيما بينها في الفتوى الواحدة، فيصعب حينئذ ردها إلى واحدة منها مما يتطلب إعادة القراءة مرات ومرات، وقد يكون البناء الفقهي أحيانا غامضا، فيتطلب ذلك الرجوع إلى مصادر الفقه المالكي والبحث عن موضوع النازلة أو عن نظائرها حتى تستبين السبيل التي علي اتباعها في ما يخدم الغرض من البحث.
7ـ منهجية البحث:
ـ أولا: كتابة الآيات وفق ما هي عليه في رسم المصحف، برواية ورش عن نافع، وذكر السورة ورقم الآية في الهامش.
ـ ثانيا: وضع الأحاديث النبوية بين قوسين، وتخريجها، فإن وجدت الحديث في البخاري ومسلم، لم أتعدهما إلى سواهما، وإن كان غير ذلك عزوت الحديث إلى المصادر التي وقفت عليه فيها.
ـ ثالثا: عند تناولي للنازلة، أضع لها عنوانا بحسب ما هو عليه في المصدر الذي نقلتها منه، أو أصوغ لها عنوانا بحسب مضمونها.
ـ رابعا: أنقل نص السؤال كما هو في المصدر، ونص الجواب عليه كاملا.
ـ خامسا: بعد إيراد النازلة، أقوم ببيان وجه اعتبار المآل فيها، وقد مزجت بين أسلوب الوصف وأسلوب التحليل، حيث حين أورد النازلة أصف ما فيها من أحكام، ثم أحلل عناصرها وفق ما يتبين لي من أوجه اعتبار المآل فيها، وأبين المستند الأصولي أو الفقهي أو المقصدي الذي قام عليه جواب المفتي، مستعينا بالقواعد الفقهية أو المقصدية التي تخدم الوجه الذي اعتمده المفتي إما استحسانا أو سدا للذريعة أو منعا للحيل، وذلك كله ارتباطا بما قررته في القسم النظري من البحث .
ـ سادسا: أدعم تحليلي للنازلة بأقوال أئمة المذهب المالكي رحمهم الله شرقا وغربا، وطريقة إيرادي لهذه الأقوال إما بإدراجها بين قوسين حرفيا ثم عزوها إلى مصدرها، وإما بالاقتباس منها أو إيراد معناها مع العزو والإسنادا طلبا لبركة العلم ([8] (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/#_ftn8)).
ـ سابعا: شرحت بعض المصطلحات الفقهية واللغوية استنادا على المعاجم اللغوية، أو المعاجم الفقهية كلسان العرب والمصباح المنير وغيرهما ...أو من خلال الكتب الفقهية سواء كانت مالكية أو غير ذلك.
ـ ثامنا: ترجمت للأعلام المالكية خصوصا، واكتفيت بالإشارة إلى اسم العلم واسم أبيه وكنيته ونسبته وسنة وفاته ومصادر ترجمته، أما بالنسبة لبعض الأعلام الذين لهم شهرة، فلم أترجم له، تجنبا للإطالة .
ـ تاسعا: وضعت فهارس في آخر البحث وضمنتها:
ـ فهرس الآيات القرءانية .
ـ فهرس الأحاديث النبوية.
ـ فهرس المصادر والمراجع المعتمدة.
ـ فهرس الموضوعات .
8ـ خطة البحث:
قسمت هذا البحث إلى مقدمة ومدخل وقسمين: نظري وتطبيقي وخاتمة، وقد تناولت في المدخل موقع اعتبار المآل في العملية الاجتهادية وأهميته في النظرية المقاصدية، ولماذا كان له هذا الدور الخطير في عمل المفتي .
و القسم الأول، وهو القسم النظري قد جعلته على ثلاثة فصول، الأول منها للتعريف باعتبار المآل: المفهوم والمشروعية حيث تناولت فيه المفهوم والنشأة وشواهد العمل به، والفصل الثاني: جعلته للحديث عن الصبغة المقصدية والتوصيف الأصولي لاعتبار المآل، أما الفصل الثالث، فموضوعه الحديث عن النظريات الفقهية الأكثر صلة باعتبار المآل والتي يلتزمها المفتون والمجتهدون أثناء عملهم، وهي ثلاث نظريات، نظرية الباعث، ونظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الاحتياط.
وفي القسم التطبيقي الذي هو صميم الموضوع تناولت فيه تطبيقات اعتبار المآل في المعاملات من خلال مصادر الفتوى المالكية وذلك من منطلق ما تم تقريره في الباب الأول من قواعد ونظريات تم توظيفها في عملية تحليل الفتاوى، وقد اخترت المصادر الموسوعية كجامع البرزلي، ومعيار الونشريسي، ونوازل المهدي الوزاني، وجعلته على ثلاثة فصول، الأول منها عالجت فيه العمل بسد الذرائع في المعاملات في فتاوى المالكية اعتبارا للمآل، أما الفصل الثاني فخصصته للحديث عن الحيل والعمل بها في فتاوى المالكية في المعاملات المالية،أما الفصل الثالث، فكان للحديث عن الاستحسان وإعماله اعتبارا للمآل في فتاوى المالكية في المعاملات، ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها .
وختاما، أتقدم بخالص الشكر إلى مركز نماء للدراسات والبحوث على عنايته بالدراسات المقاصدية، واهتمامه بموضوع البحث وحرصه على طبعه ونشره، إسهاما منه في إحياء التراث الشرعي وحرصا على تجديد مناهج البحث فيه.


([1])ـ ينظر : لباب الآداب لأسامة بن منقذ، ص: 358 .

([2])ـ ينظر : مجموع رسائل الجاحظ.ص: 122،

([3])ـ ينظر: الفتاوى الكبرى لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ص: 4/19. تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادرعطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1408 هـ / 1987…

([4]) ـ ينظر : الموافقات، لأبي اسحاق ابراهيم بن موسى الشاطبي 5/135، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417 هـ / 1997 م.

([5])ـ ينظر: سير أعلام النبلاء، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، 8/92.

([6]) ـ قد يكون فاتني العديد من الدراسات، إما لعدم وجودها مطبوعة في الأسواق وبقائها رهينة رفوف المكتبات الجامعية، وإما بسبب رفض بعض الباحثين تزويدي ولو بمقدمات أبحاثهم وخاتماتها حتى يتسنى لي تملك تصور عما قام به الباحث، وإما بسبب أن يدي لم تطل بحوثا عديدة ليس لها تعريف على الشبكة العنكبوتية، أو ليس لها ملخصات في الخزانات العربية والإسلامية التي لها مواقع خاصة به، كمكتبة الاسكندرية، ومكتبة جامعة الأزهربالقاهرة، ومكتبة المسجد النبوي الرقمية، ومكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومكتبة جامعة الإيمان باليمن، وجامعة عمان الأردنية وغيرها.

([7]) ـ إلا ما كان من الدكتور عبد السلام الرفعي في كتابه فقه المقاصد وأثره في الفكر النوازلي، فقد انصبت التطبيقات المقاصدية التي أوردها على كتاب النوازل الكبرى للإمام المهدي الوزاني.

([8]) ـ قال رحمه الله في مقدمة تفسيره " الجامع لأحكام القرءان" :" وشرطي في هذا الكتاب: إضافة الأقوال الى قائليها، والأحاديث الى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول الى قائله.ينظر: الجامع لأحكام القرءان، 1/8